(خ م) , وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"سِبَابُ [1] الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ [2] وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" [3]
الشرح [4]
(1) (السِّبَاب) مَصْدَرُ سَبَّ , يَسُبّ , سَبًّا , وَسِبَابًا. (فتح - ح48)
(2) الْفِسْقُ فِي اللُّغَةِ: الْخُرُوجُ، وَفِي الشَّرْعِ: الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ , وَهُوَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ أَشَدُّ مِنْ الْعِصْيَانِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} , فَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ حَقِّ الْمُسْلِمِ , وَالْحُكْمُ عَلَى مَنْ سَبَّهُ بِغَيْرِ حَقٍّ بِالْفِسْقِ. تحفة الأحوذي (5/ 224)
(3) (خ) 48 , (م) 64
(4) إِنْ قِيلَ: هَذَا وَإِنْ تَضَمَّنَ الرَّدَّ عَلَى الْمُرْجِئَة , لَكِنَّ ظَاهِرَهُ يُقَوِّي مَذْهَبَ الْخَوَارِج الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالْمَعَاصِي.
فَالْجَوَاب: أَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُبْتَدِعِ اِقْتَضَتْ ذَلِكَ، وَلَا مُتَمَسَّكَ لِلْخَوَارِجِ فِيهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَه غَيْرُ مُرَاد، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْقِتَالُ أَشَدَّ مِنْ السِّبَاب - لِأَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى إِزْهَاقِ الرُّوح - عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ أَشَدَّ مِنْ لَفْظِ الْفِسْق , وَهُوَ الْكُفْر، وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْكُفْرِ , الَّتِي هِيَ الْخُرُوجُ عَنْ الْمِلَّة، بَلْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْكُفْر مُبَالَغَةً فِي التَّحْذِير، مُعْتَمِدًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْقَوَاعِدِ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُ عَنْ الْمِلَّةَ، مِثْلَ حَدِيث الشَّفَاعَة , وَمِثْلَ قَوْله تَعَالَى {إِنَّ الله لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرِك بِهِ , وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء} .
أَوْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْكُفْرَ لِشَبَهِهِ بِهِ؛ لِأَنَّ قِتَالَ الْمُؤْمِنِ مِنْ شَأنِ الْكَافِر.
وَقِيلَ: الْمُرَاد هُنَا الْكُفْرُ اللُّغَوِيّ , وَهُوَ التَّغْطِيَة؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُعِينَهُ وَيَنْصُرَهُ , وَيَكُفَّ عَنْهُ أَذَاهُ، فَلَمَّا قَاتَلَهُ كَانَ كَأَنَّهُ غَطَّى عَلَى هَذَا الْحَقّ.
وَالْأَوَّلَانِ أَوْلَى بِالْمَقْصُودِ مِنْ التَّحْذِيرِ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ وَالزَّجْرِ عَنْهُ , بِخِلَافِ الثَّالِث.
وَقِيلَ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ"كُفْر"أَيْ: قَدْ يَئُولُ هَذَا الْفِعْلُ بِشُؤْمِهِ إِلَى الْكُفْر، وَهَذَا بَعِيدٌ.
وَأَبْعَد مِنْهُ: حَمْلُهُ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ لِذَلِكَ , وَلَوْ كَانَ مُرَادًا لَمْ يَحْصُلْ التَّفْرِيقُ بَيْن السِّبَابِ وَالْقِتَال، فَإِنَّ مُسْتَحِلَّ لَعْنِ الْمُسْلِم بِغَيْرِ تَأوِيل , يَكْفُرُ أَيْضًا.
ثُمَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ تَأوِيل.
وَمِثْل هَذَا الْحَدِيث: قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -"لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض", فَفِيهِ هَذِهِ الْأَجْوِبَة.
وَنَظِيرُهُ قَوْلُه تَعَالَى {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} بَعْدَ قَوْلِه: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارهمْ} الْآيَة. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَعْض الْأَعْمَال يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْكُفْر تَغْلِيظًا.
وَأَمَّا قَوْله - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِم:"لَعْن الْمُسْلِم كَقَتْلِهِ", فَلَا يُخَالِفُ هَذَا الْحَدِيث؛ لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ فَوْقَ الْمُشَبَّه، وَالْقَدْرُ الَّذِي اِشْتَرَكَا فِيهِ: بُلُوُغ الْغَايَة فِي التَّأثِير , هَذَا فِي الْعَرْض، وَهَذَا فِي النَّفْس. فتح (1/ 167)
فَالْمُؤْمِنُ إِذَا اِرْتَكَبَ مَعْصِيَةً , لَا يَكْفُر , لِأَنَّ الَله تَعَالَى أَبْقَى عَلَيْهِ اِسْمَ الْمُؤْمِن , فَقَالَ: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا} ثُمَّ قَالَ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة , فَأَصْلِحُوا بَيْن أَخَوَيْكُمْ} .
وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم:"إِذَا اِلْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا", فَسَمَّاهُمَا مُسْلِمَيْنِ مَعَ التَّوَعُّدِ بِالنَّارِ. وَالْمُرَاد هُنَا: إِذَا كَانَتْ الْمُقَاتَلَةُ بِغَيْرِ تَأوِيل سَائِغ. فتح الباري (1/ 127)