فهرس الكتاب

الصفحة 3707 من 18580

(خ م) , وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: ("قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً) [1] (فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً , فلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا) [2] (فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا) [3] (فَإِنْ عَمِلَهَا , فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي , فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا , فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا , فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا, إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ") [4]

الشرح [5]

(1) (م) 129 , (حم) 8203

(2) (خ) 7062 , (م) 128

(3) (م) 129

(4) (خ) 7062 , (م) 128

(5) مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْر بْنِ الطَّيِّبِ أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِقَلْبِهِ , وَوَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا، أَثِمَ فِي اِعْتِقَادِهِ وَعَزْمِه , وَيُحْمَلُ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَأَمْثَالِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يُوَطِّنْ نَفْسَهُ عَلَى الْمَعْصِيَة , وَإِنَّمَا مَرَّ ذَلِكَ بِفِكْرِهِ مِنْ غَيْرِ اِسْتِقْرَار، وَيُسَمَّى هَذَا هَمًّا, وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْهَمِّ وَالْعَزْم.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رحمه الله: عَامَّةُ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْر , لِلْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِأَعْمَالِ الْقُلُوب، لَكِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ هَذَا الْعَزْمَ يُكْتَبُ سَيِّئَةً , وَلَيْسَتْ السَّيِّئَةُ الَّتِي هَمَّ بِهَا , لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْمَلهَا , وَقَطَعَهُ عَنْهَا قَاطِعٌ غَيْرُ خَوْفِ اللهِ تَعَالَى وَالْإِنَابَة , لَكِنَّ نَفْسَ الْإِصْرَارِ وَالْعَزْمِ مَعْصِيَةٌ , فَتُكْتَبُ مَعْصِيَةً , فَإِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ مَعْصِيَةً ثَانِيَة.

فَإِنْ تَرَكَهَا خَشْيَةً لِلهِ تَعَالَى , كُتِبَتْ حَسَنَة كَمَا فِي الْحَدِيث:"وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي", فَصَارَ تَرْكُهُ لَهَا لِخَوْفِ اللهِ تَعَالَى , وَمُجَاهَدَتِه نَفْسَهُ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ فِي ذَلِكَ , وَعِصْيَانُهُ هَوَاهُ حَسَنَةً , فَأَمَّا الْهَمُّ الَّذِي لَا يُكْتَبُ , فَهِيَ الْخَوَاطِرُ الَّتِي لَا تُوَطَّنُ النَّفْسُ عَلَيْهَا، وَلَا يَصْحَبُهَا عَقْدٌ وَلَا نِيَّةٌ وَلَا عَزْم.

وَقَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الشَّرْعِ بِالْمُؤَاخَذَةِ بِعَزْمِ الْقَلْبِ الْمُسْتَقِرّ , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} الْآيَة , وَقَوْله تَعَالَى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ , إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} .

وَقَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الشَّرْعِ وَإِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَسَد , وَاحْتِقَارِ الْمُسْلِمِينَ , وَإِرَادَةِ الْمَكْرُوهِ بِهِمْ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَعَزْمِهَا , وَالله أَعْلَم. شرح النووي على مسلم - (ج 1 / ص 247)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت