فهرس الكتاب

الصفحة 1278 من 1942

(هذه الروح في التعامل مع نصوص الشريعة وأحكامها، لو تم تفعيلها، بعملية مراجعة مستمرة، وإعادة تفسير متدفقة، مساوقة للتغير الهائل الذي طرأ على حياة المسلمين اليوم، في شتى مناحي الحياة- وقد ذكرنا سابقًا كيف نجحت عملية إعادة تفسير الآيات المتعلقة بالكون إثر كل اكتشاف علمي- فلربما تعطي بديلًا لنموذج علماني متعسف، ولكن إن استمر الحال على هذا الجمود، والتخاذل، والانكفاء مع امتلاء أهوج وتورم أرعن"أننا نملك الحل لهذا العالم"، من دون أن نرى شيئا مقنعًا على أرض الواقع، فالمآل معروف للجميع ، فالبديل معروف) 37.

ويقول:

(هناك دائما عملية إعادة تفسير مستمرة لنصوص القرآن، غير أن كونها تجري دائمًا بعيدًا عن الضوضاء، داخل مراكز دراسات ،تنشر بحوثها في دوريات ومطبوعات متخصصة، ، جنبها ردود أفعال تقضي عليها في مهدها ، ومكنها من أن تخطو خطوات) 38.

ويقول على وجه الثناء:

(في تصوري أن ابن تيمية لو تأخر زمنه لكان أحد القلائل الذين بإمكانهم أن يقدموا تفسيرًا جديدًا للإسلام) 39.

ويقول كذلك:

(كان بإمكانه أن يكون لوثر آخر في الإسلام) 40.

والنقيدان لا يتوقف عند مرحلة المطالبة والتنظير المجمل لعملية تطوير الدين ومسخه ، بل يقدم المبرر الشرعي لمسخ الشرع!! وذلك بفتح باب الاعتراض على الشريعة ، وتجويز التشريع بوضع الأحكام الجديدة محل القديمة وهكذا! ، يقول: (فعمر بن الخطاب أكثر الصحابة اعتراضًا على الرسول(ص) 41 وأكثرهم تساؤلًا حول الحكمة من التشريعات)42 ، ويقول: (وضرب عمر ضرباته في اجتهادات جريئة...فكان بذلك أكبر المشرعين43 ، وفتح لمن بعده كوة إلى رحابة التشريع ومرونة الأحكام، وانحنائها أمام المنعطفات والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية) 44 ، وبناء على هذا التأصيل يأتي على شئ من التفاصيل التي يرى أنها مما يجب أن يعاد النظر فيه ، ومن ثم يعاد تفسيره ، ليقدم في صورته الإسلامية الجديدة! لكنه كما يقال: (إسلام آخر زمن) ! يقول في عبارة جامعة لأوجه المراجعة المطلوبة:

(يتميز الإسلام بأنه لا يوجد فيه هيئة دينية عليا تقرر ما هي -بالتحديد- العقيدة الصحيحة المستقيمة نظرًا لوجود آيات محكمات وأخر متشابهات و عدم قياس ثابت متفق عليه إجماعًا لتحديد الفاصل القاطع بين استقامة العقيدة والمروق عنها، إضافة إلى عوامل الاجتهاد والتأويل والإجماع الظرفي المتغير بذاته مع الزمن، والعرف والظروف البيئية ونوعية العقلية السائدة في تحديد مواقع الأنماط الفكرية،فعدم وجود هذا القاطع"الرسمي"بين الاستقامة والانحراف يدفعنا غير مخيرين إلى ضرورة النقد الداخلي والشجاعة والصدق مع النفس،والسماح للآراء الأخرى الراشدة بالتنفس، والتعبير عن وجهات نظرها مهما كانت قاسية، ومهما كانت جارحة للكبرياء ، إن من أهم المسائل التي تستوجب من علمائنا الأفاضل أخذها بعين الاعتبار قضايا ضوابط التكفير وموانعه، ونواقض الإسلام ما هو موضع اتفاق وما هو موضع اختلاف، ومفهوم تطبيق الشريعة،والحكم بما أنزل الله، والذي غدا اليوم كقميص عثمان في التبرير لكل متسلق إلى السلطة مستبيح للدماء والأموال، وإعادة النظر في مفهوم الولاء والبراء ولوازمه ومتعلقاته ، وإزالة كل ما علق بهذا المفهوم من زيادات وإضافات دعت إليها ربما ظروف سياسية وخصومات مذهبية وظفت فيما بعد سيفًا مصلتًا على كل مخالف، وأصبح تلقين التلاميذ والطلبة بها كاللعب بالنار بحيث يمكن أن توظف لإشعال الفتن،والطعن في عقائد الناس والخروج على الحكومات، كما أن علماءنا الأفاضل مطالبون ببيان أن قصر مدلول الحكم بما أنزل الله على المعاملات التجارية أو الحدود والعقوبات المقدرة- دون ما عداها من أوامر الله ونواهيه التي هي مما أنزل الله ومن أحكامه تعالى- سوء فهم لمقاصد شريعة الإسلام وصلاحيتها، فالرحمة بالناس مؤمنهم وكافرهم، ومراعاة أحكام الجوار على صعيد الأشخاص والمجتمعات أو على صعيد العلاقات الدولية، وتحسين صورة المسلمين وتحبيب الإسلام إلى البشرية، كل ذلك هو من الحكم بما أنزل الله الذي يغفله أولئك الذين يريدون أن يحصروه بالعقوبات وقطع الأيدي وجلد الزناة) 45 ، هذا موجز لمجالات المسخ المطلوبة ، وإليك بعضها من كلامه مفصلة:

*تطوير عقيدة الولاء والبراء:

يقول النقيدان:

(وعلينا نحن فقط دون غيرنا مسئولية القيام بتلك المراجعات، أن نقدم للعالم دينًا أكثر تسامحًا وأكثر تعايشًا مع الآخرين) 46.

ويقول:

(يستحيل أن يستوعب خطاب يكرس الكراهية تجاه الآخر دينيًا أو طائفيًا، ويسوغ العنف بكل أشكاله ضده، ويصنف المجتمع والمواطنين على أساس ديني، ومذهبي يستحيل أن يستوعب مفاهيم حقوق الإنسان، إذا أخذنا في الاعتبار أن الأصابع مازالت تشير إلى عرابيه بالتورط في توفير الفتاوى والمشروعية الدينية لغزوتي واشنطن ومنهاتن ، إن الفلسفة التي تقوم عليها مفاهيم حقوق الإنسان، تتصادم في الجوهر مع ثقافة تنتج هذا الخطاب) 47.

*تطوير ما يتعلق بالتكفير ، ونواقض الإسلام بإحياء نزعة الإرجاء وفرضها على الناس:

يقول النقيدان:

(لدي قناعة تامة أن من الحكمة الآن التركيز على تلقين الناس مذهب(الإرجاء) في الإيمان ، فالفكر السلفي -بمعناه المعاصر- يحمل في بنيته نزعة تكفيرية إقصائية ، ونحن نحتاج اليوم إلى بعث وإحياء نزعة (الإرجاء) التي تجد لها مستندا قويًا في نصوص القرآن والسنة ومقولات السلف ، إن إحياء مذهب الإرجاء اليوم بتنوع ألوان طيفه ومقولاته المتعددة هو أفضل الحلول، كالقول بـ"قصر مفهوم الإيمان على الاعتقاد القلبي فقط، وما عداه فهو كمال"، إلى آخر يرى أنه"قاصر على الاعتقاد واللفظ الإقرار"، إلى من يذهب إلى القول بأن"الإيمان المنجي في الآخرة يكفي فيه الاعتقاد مع الإقرار اللفظي مع أداء شيء من أعمال الإيمان يتحقق بها جنس العمل الذي يدخل به المسلم الجنة"، والأخيران مذهبان كانا واسعي الانتشار في العصور الأولى بين علماء وفقهاء الأمة، ونستطيع اليوم أن نجد له شاهدًا قائمًا في المجتمع الأندونيسي الذي يحمل في فهمه للدين نزعة (علمانية) ، كما أن للإرجاء في تراثنا تجليات أخرى رائعة في أحكام تكفير المسلم: موانعه وشروطه، تنم عن تسامح الإسلام ورحابته ، الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن (تفعيل) الدين-حسب بعض أشياخي- في حياة المجتمعات، ورفع مستوى الشعور الديني، كفيل بأن يصل بنا إلى الكوارث التي نراها اليوم ماثلة أمامنا، غير أن إجراء عملية (خَصْيٍ) لفيروس الأفكار القابلة للانبعاث، عبر نشر مذهب (الإرجاء) ، وتكثيف حضوره في الخطاب الديني والوعظي في المقام الأول، قد يقدم شيئًا مفيدًا وجديدًا، شريطة أن لا تكون الحكومات-التي ترى أن لديها مشكلة حقيقية تحتاج إلى علاج- هي الراعي المباشر لهذه الحملات، بل يجب أن تبقى بعيدة ترقب وتفسح المجال فقط وتزيل العقبات، أو على الأقل فقط أن تمنحه من الفرص ما تمنحه للآخرين)48.

* تطوير شريعة الجهاد:

يقول النقيدان:

(أخلص من هذا إلى أن إشكالية خطاب(الجهاد) من الممكن أن نتعامل معها (دينيًا) على مستويين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت