فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 1942

.. فنصبني للناس بغدير خم، ثم خطب فقال: أيها الناس ان الله أرسلني برسالة ضاق بها صدري فظننت ان الناس مكذبوني فأوعدني لأبلغها أو ليعذبني - أي ان الله هدده صلى الله عليه وسلم ان يبلغها والا عذبه وذلك في قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) . - ثم أمر فنودي بالصلاة جامعة، ثم خطب فقال: أيها الناس! أتعلمون ان الله عز وجل مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله.. قال: قم يا علي، فقمت. فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه. فقام سلمان فقال: يا رسول الله ولاء كماذا؟ فقال: ولاء كولائي، من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه! فأنزل الله تعالى ذكره [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا] (المائدة 3) . فكبر رسول الله وقال: الله أكبر، تمام نبوتي وتمام دين الله ولاية علي بعدي. فقام ابو بكر وعمر فقالا: يا رسول الله هذه الآيات خاصة في علي؟ قال: بلى، فيه وفي أوصيائي إلى يوم القيامة. قالا: يا رسول الله بينهم لنا. قال: علي أخي ووزيري ووارثي ووصيي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن من بعدي، ثم ابني الحسن ثم ابني الحسين ثم تسعة من ولد الحسين (1) واحدا بعد واحد، القرآن معهم وهم مع القرآن لا يفارقونه ولا يفارقهم حتى يردوا علي الحوض.. فقال الحاضرون - وهم أكثر من مائتي رجل من الصحابة-: قد سمعنا ذلك وشهدنا كما قلت سواء (2) .

ان هذا الحديث يشهد على ولاية الأئمة (ع) جميعا كما يشهد على ان الثاني عشر منهم سيبقى إلى يوم القيامة، حيث قال الرسول: وفي أوصيائي إلى يوم القيامة.

وهنا دليل آخر وهو: ان الإمامة كما حددناها سابقا منصب إلهي ليس لأحد الحق في انتحاله من دون أمر الله، والشيعة فقط يحددون الإمامة هذا التحديد فهم فقط يعتمدون على النص وليس أحدا من السنة ادعى ان النبي صلى الله عليه وسلم نص على غير أهل البيت (ع) فهم مجمعون على عدم النص في غير أهل البيت، وقد عرفنا بالدليل السابق ان الإمام لابد ان ينتخب من قبل الله.. إذًا فلابد من النص، فلو فرض اننا لم نعثر على نص موجود، فلابد ان نقول انه كان موجودا ولكن السلطات الجائرة حذفته من التاريخ اثباتا لسلطانها الظالم.. وبكلمة موجزة:

من اعتقد ان الإمامة من الله، لا يمكنه الا ان يعتقد ان أهل البيت هم الأئمة، إذ لم يدع أحد ان غيرهم قد انتخب من قبل الله.

5-شهادة الله:

والله تبارك و تعالى يشهد بصدق الأئمة بنفس الأسلوب الذي يشهد بصدق الأنبياء وهو:

1-بإستجابة الدعاء، إذا توسل الفرد بهم، وبالشفاء بتربة الإمام الحسين مثلا وما شابه.

2-بنصر من آمن بهم وهدايته في الدنيا والآخرة.

3-بشهادة المؤمن على صدق الإمامة عندما يصفو من كل كدر.

4-بالوصول إلى الحقيقة مع سلوك منهج الإمامة (3) .

كيف نثبت الإمام؟

ولابد لنا ان نشير هاهنا إلى الحقيقة التي سبق وان أشرنا اليها عندما تحدثنا عن كيفية إثبات وجود الله وهي:

ان المهم في اقناع الناس في القضايا المبدئية تذليل أنفسهم المستكبرة لقبول الحق عن طريق الترهيب والترغيب بما في الدنيا والآخرة من أجر للمحق ومن عذاب للمبطل. والأسلوب القرآني الناجح يستخدم قوة الترهيب بعذاب الله في الآخرة ونقماته في الدنيا أكثر من الترغيب بثواب الله الجزيل في الآخرة والفلاح الدائم في الدنيا. ومن هنا فلابد:

أولا: ان نشرح للذي نبتغي هدايته للحق - في الامامة- ان المبطل يلقى جزاءه الرئيسي في الدنيا والآخرة ولا يجني الإنسان من معارضة الحق الا الخزي والويل.. وان الامامة لو كانت على بينة من الله فما يزيد جاحدها غير تخسير لنفسه، وان التقليد واتباع الهوى والخوض مع المبطل كيفما يخوض كل ذلك ويل وشر عريض، ولابد من دعم هذه الحقيقة بآيات قرآنية وأمثال من الأمم الماضية، كيف خسرت نفسها عندما عارضت الحق.

ثانيا: ثم يأتي دور شرح معنى الإمامة، والحاجة إلى الامام عقلا بصورة مفصلة.

ثالثا: بعرض صفات الأئمة (ع) ومآثرهم وكيف ظُلِموا في سبيل الحق.

رابعا: وأخيرا ببيان النصوص المتفقة بين الفريقين ونسف الشبهات التي تختلج في قلوب بعض البسطاء من العامة والتي يجب ان نشير إليها هاهنا ونردها بالحجج الدامغة.

شبهات مردودة..

1-يقولون: لو كان الإمام علي - كما تزعمون - صاحب الحق الشرعي للخلافة بعد الرسول فلماذا بايع أبا بكر وعمر وعثمان وهو الرجل الشجاع؟

نقول في الجواب: السبب نعرفه من خطبة ارتجلها الامام في الكوفة ومن كلمات له أخرى نوجزها فيما يلي:

أ- لأن الإمام لم يجد أنصارا يحارب بهم الأعداء، ولقد صرح مرة بأنه لو كنتُ قد وجدت أربعين شخصا لدافعت عن حقي.

ب- ان الإمام -ع- كان يعلم ان الأمة الإسلامية لم تبلغ النضج الفكري الذي يؤهلها لتصحيح أخطائها بالحرب المسلحة.. فإذا كان الإمام يقاوم أعداءه بالسلاح كان يعرض الأمة لما لا تطيق، فكانت تسبب الردة، ولذلك فقد آثر الإمام الإغماض عن حقه في سبيل الإبقاء على الإسلام حتى يأتي ذلك اليوم الذي ينشر الحق بالتبليغ.

ج- ان بيعة الإمام (ع) لأبي بكر وعمر وعثمان كانت بالإكراه.. حيث كان مهددا بالقتل في كل الحالات. والحديث التالي أكبر شاهد على هذه الحقائق الثلاثة في كتاب سليم بن قيس المعاصر للإمام (ع) :

قال قائل - ولعله أشعث بن قيس- يا بن أبي طالب: ما منعك حين بويع أخو بني تميم بن مرة (أبو بكر) وأخو بني عدي (عمر) وأخو بني أمية (عثمان) بعدهما ان تقاتل و تضرب بسيفك وأنت لم تخطبنا خطبة منذ قدمت العراق الا قلت فيها (والله اني أولى الناس بالناس وما زلت مظلوما مُذ قبض رسول الله) ، فما يمنعك ان تضرب بسيفك دون مظلمتك؟.

قال عليه السلام: يابن قيس! اسمع الجواب؛ لم يمنعني من ذلك الجبن ولا كراهة للقاء ربي وأن لا أكون أعلم بأن ما عند الله خير لي من الدنيا والبقاء فيها ولكن منعني من ذلك أمر رسول الله وعهده الي. أخبرني رسول الله بما الأمة صانعة بعده إلى ان قال: قال صلى الله عليه وسلم ان وجدت أعوانا فإنبذ إليهم وجاهدهم وان لم تجد أعوانا فكف يدك وأحقن دمك.. إلى ان قال: ثم حملت فاطمة وأخذت بيد الحسن والحسين فلم أدع أحدا من أهل بدر وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار الا ناشدتهم..) (4)

وقال الإمام الصادق (ع) في جواب سؤال وجهه إليه بعض أصحابه قائلا: (ما منع أمير المؤمنين(ع) ان يدعو الناس إلى نفسه ويجرد في عدوه سيفه؟ فقال: الخوف من ان يرتدوا فلا يشهدوا ان محمدا رسول الله) (5) .

ويقولون: لو كان الله يريد لعلي الخلافة بعد الرسول فلماذا لم يعلن ذلك في الكتاب المجيد؟

ونقول:

(1) - وهم؛ الإمام زين العابدين علي بن الحسين، والإمام محمد بن علي الباقر، والإمام جعفر الصادق، والإمام موسى بن جعفر، والإمام علي بن موسى الرضا، والإمام محمد بن علي الجواد، والإمام علي بن محمد الهادي، والإمام الحسن العسكري، والإمام الحجة بن الحسن المهدي صلوات الله عليهم أجمعين.

(2) - بحار الانوار ،ج31، ص410-412 .

(3) - راجع دليل (شهادة الله) في البحث السابق عن نبوة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله .

(4) - بحار الانوار ،ج29 ،ص466-469 .

(5) - المصدر ،ص445 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت