فهرس الكتاب

الصفحة 505 من 1942

إن الكنيسة الغربية النصرانية خرجت على الناس في العصور الوسطى بنظريات أبعد ما تكون عن روح الشريعة ونقاء العقيدة في الكون والحياة والإنسان نظريات في الوجود تصادم الحقائق العلمية الثابتة ونظريات في الكون تصادم المحسوس والملموس ونظريات في الإنسان والمرأة بالذات تعارض الفطرة والدين مثل الأساقفة والكرادلة والبابوات والأباطرة هل المرأة لها روح أم لا؟ هل هي كائن شيطاني أم إنساني؟ هل وهل؟؟ إلى غير ذلك من النظريات التي أصيخت بها الأسماع وشغلت بها الساحات الفكرية وامتحنت بها العقول على طريقة الجدل البيزنطي المشهور. هل الدجاجة من البيضة أم البيضة من الدجاجة، وأيهما كان أولًا، والويل كل الويل لمن كذب أو يرتاب فصكوك الحرمان والمقاصل جاهزة معدة وكلها تحت رواق الكنيسة رمز الدين والإيمان ومع إشراقة شمس الحضارة الإسلامية على العالم ومنه على أوروبا الغارقة في ذلك الوقت في غياهب الجهل والخرافة والتزمت استيقظت أوروبا وكان العالم في الظهيرة وحان في ذلك تنفس عظيم لمجموعات البحث والكشف العلمي المضطهدة والتي كنت تتململ في قمقمها وأكتشف الناس كذب وزيف هذه النظريات بانبلاج شمس الحضارة (وشمس الحقيقة تحرق المغالطات) . فثار الناس في أوروبا على الكنيسة والبابوات والأباطرة المتواطئين معهم لتقاطع المصالح وتلافيها بينهم، ثاروا ثورة عارمة على الدين كله فكانت (العلمانية) فصل الدين عن الدولة في المدنية الحديثة، ثاروا على الكنيسة التي حرمت العلم الصحيح والتفكير السليم التي ظلمت المرأة وتتبعتها بالحرب والإبادة بحجة أنها عنصر شرير فاسد.

أقول مجددًا: أخواتي الكريمات إن كان لهذه المعركة في قضية الكون والحياة والوجود ما يفسرها في عالم الغرب فهل يوجد هذا في عالم الشرق إن كان لهذه الثورة على الكنيسة ما يعلله فهل يوجد لحرب المسجد من مبرر إن كان لإعلان الثورة على النصرانية أسباب فهل يوجد سبب واحد لإعلان الحرب على دين الإسلام. أخواتي: هكذا أردت أن أرجع بكن إلى الوراء لتتبع فلول القضية وجمع شتاتها حتى لا تفهم مبتورة مجردة أنها قضية ضخمة كبيرة خطيرة ليست قضية خاصة بالمرأة وحدها.

فأولًا أقول: ينبغي تقرير مسألة أحسبها فاصلة في القضية وهي: أن أحدًا أو محورًا قد يتفوق في جانب الحياة دون جانب ولا يعني تفوقه في جانب تفوقه في كل الجوانب. نقترب من الحقيقة أكثر: لنفترض أن الغرب حاز السبق في الصناعة والتقنية وسجل إنجازًا واضحًا فهل يعني ذلك أن جميع ما جاء منه من نظريات ودراسات اجتماعية ومدنية وأخلاقية حق لا يقبل النقاش؟ وهكذا حلا للبعض أن يصور لكن نظرة إلى واقع الغرب ونظره إلى منهج الإسلام تنسف كل هذا الفهم المغلوط من القواعد. نظرة إلى الأسرة الغربية وما تعيشه من جحيم التفكك والتمزق والقطيعة والنظرة إلى المجتمعات الغربية وما تحياه من أثرة وجشع وأنانية يسحق العجزة والضعفاء والأيتام والمعلقات والمطلقات والمعوقات تحت جنازير الحياة الرأسمالية البائسة التافهة الحقيرة، مثلها أو قريب منها في الشرق الاشتراكي. ونظرة إلى شباب الغرب وما يعيشه من مخدرات وعلاقات وصداقات محرمة. ونظرة إلى المرأة وما تعيشه من بؤس وشقاء واستضعاف إلى درجة الاستبعاد وإقحام لها في مجالات الرجال بحجة المساواة حتى زاحمن الرجال في سفلتة الطرق وقيادة الشاحنات وقطع الصخور وحتى قطعت يديها الآلات والمكائن وشحب لون وجهها وأذهب أنوثتها دخان المصانع وغبار الطرق ناهيك عما تعيشه من وضع أخلاقي مدمر، ومعذرة مرة أخرى على تجاوز الموضوع المقرر ولكنها مقدمة ضرورية أقول نظرة إلى هذا كله ثم كرة أخرى إلى شريعة الله الطاهرة المطهرة كما هي في القرآن والسنة تكذب ذلك الفهم المنكنوس والفكر المنحوس وتدحضه وتدفعه فإذا هو زاهق فلكم الويل مما تصفون. نظرة الإسلام للمرأة والآن إلى نظرة الإسلام للمرأة أقدمها باجتهاد شخصي ونظرة قاصرة فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن الشيطان والله ورسوله منه بريئان.

أخواتي العزيزات: ينبغي أن نفهم أولا وقبل كل شيء: أنها مسألة دينية إلهية لا بد فيها من استسلام العبد والأمة إلى الإله المعبود والتحاكم إلى شرعه والإسلام يعني الاستسلام على منهج الخليل: إذ قال له ربه { أَسْلِمْ َ } قال {إأَسْلَمْتُ} ولا تثبت قدم الإسلام على ظهر التسليم والاستسلام، ومن شغب على الشريعة وعاند الله في شرعه وضاد الخالق في حكمه فذلك خارج عن الإسلام ملحد بالله العظيم، والله يقول {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} أي الطائعين لله المستسلمين لحكمه ويقول المولى أيضًا: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدىً مُسْتَقِيمٍ} فالمنازعة مرفوضة، والمعاندة مردودة ومن نازع في حكم الله ورسوله في المرأة فهو كمن ينازع في عدد الصلوات والركعات وانصبة الزكوات. إذ تقرر هذا فإن الإسلام حدد نظرته للمرأة من خلال المعالم والسمات التالية:

أولًا: إن المرأة شقيقة الرجال، قال رسول الله صلى الله عليه ونسلم:"إنما النساء شقائق الرجال" {صحيح أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي عن عائشة وأخرجه البزار من حديث انس نحوه بلفظ مقارب} . وهي مخلوقة من عنصر الرجل ومادته لا فرق بينهما في أصل الخلق {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا} . {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} .وبهذا يفهم البون الشاسع والبحر الواسع بين الإسلام والنصرانية المحرفة التي تشكك هل المرأة عنصر طاهر أم رجس أم نجس؟ وهل هي كائن شيطاني أو إنساني؟ وهل لها روح أم لا ؟ الخ….

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت