فهرس الكتاب

الصفحة 625 من 1942

القرون الوسطى (رحلة التيه) أو طور التشكل: وهي تمتد من 473م - 1453م. لاحظ أنها تقع بين سقوط روما وسقوط القسطنطينية. وسيسود القارة الأوروبية خلالها التخلف الشديد والفقر والأوبئة. وهي فترة سيسودها الجرمان وهم القبائل التي ستشكل أوروبا ويشمل الجرمان الجوت (الدانمارك) ، الأنكلز والساكسون (بريطانيا) ، الفرنج (فرنسا) ، الفندال (بحر البلطيق) القوط (روسيا) وسيُسقط قسم من الجرمان روما 476م. وستنقسم أوروبا خلال هذه الفترة لمدن متخلفة يسودها اقتصاد قروي ضعيف وسيقوم على ذلك النظام الإقطاعي المشهور، وستعصف بأوروبا الحروب والانقسامات والأوبئة وسيحاول شارلمان توحيدها سنة 800م، وينجح في ذلك لمدة ثمانية أعوام فقط، ثم تعود للتفكك بعده 814م، وسينشر الفايكنغ الاسكندانفيون الدمار وما أن تنتهي هذه الحقبة حتى تنطلق أوروبا نحو الشرق فيما عرف بالحروب الصليبية.

الحروب الصليبية

وتستمر الحروب الصليبية فيما بين 1097م-1291م لتنتهي كل الحملات بفشل ذريع وتعود منكسرة إلى أوروبا. ولكن المكاسب الجانبية التي حققها الغرب منها ستظهر لاحقًا. حيث ستعود أوروبا بنظرة جديدة، وعلوم جديدة، وتصورات جديدة لتضع بذور النهضة في أوروبا.

تشكل أوائل الكيانات الأوروبية

* إنكلترا

تبدأ بمهاجمة الأنكلز والساكسون لها منذ القرن الخامس الميلادي وتسقط في يدهم في نهاية القرن السادس لتقوم فيها سبع ممالك ثم يحتلها الفايكنغ (النمساويون) 1016م-1035م، ثم تستعاد 1042م-1066م ومنذ 1066م ستشق بريطانيا طريقها بفضل التطور المستمر في نظامها السياسي لتصبح من أقوى الدول مع نهاية القرون الوسطى.

* فرنسا

تتشكل على يد كلوفيس 486م-511م الذي يحولها - على خلاف أوروبا - لتبعية الكنيسة الرومانية (مبدأها أن المسيح ثالوث متساوٍ من جميع الوجوه، فالأب يساوي الابن يساوي روح القدس والثلاثة واحد والواحد ثلاثة) وهو ما يعرف بالمذهب الأثينوس. وستدخل فرنسا في اضطرابات مستمرة ليحكمها سنة 714م شارل مارتل الذي أوقف المد الإسلامي في معركة بواتيه 732م ثم يأتي شارلمان الذي ستستمر أسرته في الحكم إلى 987م وهي فترات مليئة بالاضطرابات لتحل محلها أسرة كابيه إلى قيام الثورة الفرنسية 1789م.

* أسبانيا

حكمها القوط منذ سنة 420م وسقطت في أيدي المسلمين سنة 711م وتحولت إلى دولة عربية حتى سنة 1492م حيث سينجح الغرب في استرجاعها بعد هزيمة المسلمين وتعود أسبانيا إلى القوط وستنطلق البرتغال وأسبانيا بعدها فيما عرف بالكشوف الجغرافية، وبعدها تصل هذه الكشوف إلى أمريكا، وستصبح أسبانيا إمبراطورية عظيمة بهذه الثروات ويستمر ذلك المجد طوال القرنين السادس عشر والسابع عشر.

ذلك هو المسح السريع للتاريخ الأوروبي ومعالمه الكبرى حتى نهاية العصور الوسطى.

النظام الاجتماعي الأوروبي في العصور الوسطى

طبقة الفلاحين

طبقة رجال الدين

طبقة النبلاء

الملك

تقسيم المجتمع الأوربي في العصور الوسطى

الملك والكنيسة (العلمانية والدين)

الملك والكنيسة أو ثنائية العلمانية والدين - سمها ما شئت- ستطبع الحياة الأوروبية في كل تاريخها. فعلى رأس الدول الأوروبية في العصور الوسطى يقف الملك ويليه:

* النبلاء

وهم من توزع عليهم الأرض، ليقوموا بدورهم بتوزيعها على ملاك أصغر حسب نظام الإقطاع. والأرض المقطوعة يعمل بها الفلاحون والعبيد، ليطعموا السادة النبلاء، الذين تتركز مهمتهم في مساعدة الملك في حروبه.

* رجال الدين

ووظيفتهم الدعاء وتسكين العوام وبث الروح المسيحية في الفرسان.

* الفلاحون

وظيفتهم الخدمة للنبلاء ورجال الدين وتوفير احتياجاتهم.

الكنيسة وتطورها في أوروبا

مع سقوط الإمبراطورية الرومانية في الغرب 476م تعاظم دور الكنيسة في الحياة المدنية لتحل محل الدولة بالكامل في عهد البابا غريغيروس الأول (590-604م) .

الكنيسة والتعليم

مع شيوع الاضطرابات ستقوم فكرة الأديرة. و قد أخذت من صعيد مصر وانتشرت في أوروبا. وستتحول إلى مراكز نشر للمسيحية بين الشعوب الأوروبية الوثنية. وستقوم بتعليم المنتسبين اللغة والكتاب المقدس وشيئًا من الحساب. وداخل هذا البناء المركب من الملك والنبلاء والبابا في القمة وجموع الشعب في القاع كان الصراع محتدمًا طوال العصور الوسطى.

الكنيسة والصراع مع الملوك

فمنذ بداية القرن الحادي عشر حاول غريغريوس السابع منع تدخل الملوك في تنصيب رجال الدين، الأمر الذي كان يعني تحكمهم في الكنيسة، فحرًّم غريغريوس ذلك بقرار عام 1075م، حتى خضع الملك سنة 1122م، وتنازل عن حقه في تسليم الصولجان للأسقف عند توليته وظيفته، مكتفيًا أن يكون له صوت في الاختيار، ولكن ذلك لم يحسم النزاع الذي استمر وانتهى بانتصار الملوك على الكنيسة في القرن الثالث عشر.

رابعًا: بذور عصر النهضة

قلنا أن القرون الوسطى تبدأ مع سقوط روما وتنتهي بسقوط القسطنطينية. وتمتد من القرن الخامس الميلادي إلى القرن الخامس عشر، أي ما يقرب من عشرة قرون. ورغم أن القرون الخمسة الأولى تميزت بالانحطاط الشديد في معظم المجالات، في الدين، والعلم، والاقتصاد والسياسة، والاجتماع، إلا أن خطًا صاعدًا خجولًا سيظهر منذ بداية القرن الحادي عشر وسيلقي ببذور متعددة في الأرض الأوروبية، ستظهر آثار ذلك في القرن السادس عشر وما بعده. وحتى يمكن تخيل الإطار العام للصورة والتعرف على البذور الجنينية التي ساهمت في نهضة أوروبا، نبدأ مع الإمبراطورية الرومانية وبشكل تجريدي يمكن تلخيص هذه البذور في:

البذرة الأولى:

لقد كانت روما في نظر الأوروبيين هي العَظَمَةُ والعلم والتقدم، فلما دخلتها المسيحية أصبحت هي أيضًا العاصمة المقدسة ويمكن تبسيط الصورة:

روما العظيمة + روما المقدسة = روما العظيمة المقدسة رمز الوحدة الأوروبية ومع الوقت ستفقد روما خصائصها مثل كل الحضارات فلا النشاط والمبادرة ولا الجند والحرب سيبقيان ولو وضعنا ذلك في معادلة أخرى لظهرت بهذا الشكل:

روما العظيمة المقدسة - النشاط والمبادرة - القوة العسكرية = روما الكسولة غير المحاربة المعتمدة على الشرق في الغذاء وعلى البرابرة لحماية حدودها. (لاحظ علامة الطرح [-] وعلامة [=] )

والباقي هو تحصيل حاصل فبجمع المعادلتين سنكون أمام روما المنهزمة التي تسقط تحت يد البرابرة (جنودها المرتزقة سابقًا) .

ثم تبدأ مرحلة التفتت لتظهر فرنسا، وأسبانيا، وإيطاليا، ثم يأتي شارلمان 800م لمحاولة إعادة حلم الوحدة فيوحد الإمبراطورية ثانية لفترة قصيرة ومع شارلمان نقف قليلًا للتأمل، فلا شك أن الوحدة السياسية أمر عظيم ولكن اقتصاد بلاده كان اقتصادًا قرويًا يعتمد على القرية والزراعة فيها، وهو ما سيعرف بالإقطاع أو الاقتصاد الموضعي ويمكن صياغة المعادلة كالتالي:

العظمة السياسية [ممثلة في الوحدة + الاقتصاد المجزأ (القروي) ] = السقوط والتفتت للدولة ثانية، فالأعمال العظيمة تحتاج إلى موارد عظيمة واقتصاد قوي. وهو أمر لا يوفره الاقتصاد الريفي المتواضع. فكانت النتيجة الحتمية سقوط الدولة وتفتتها. لكن حلم الوحدة سيظل عميقًا في أوروبا، فرغم كل الأهوال التي ستمر بها أوروبا من حروب طاحنة ومشاحنات داخلية دائمة كما سنرى لاحقًا. فإن الحلم ظل قائمًا إلى القرن العشرين ليتمثل في تحالف عسكري ووحدة اقتصادية اندماجية لها ما بعدها ألا وهي الوحدة الأوروبية المرتقبة.

البذرة الثانية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت