فهرس الكتاب
الصراع بين الملكية والكنيسة وطرح مسألة: أيهما أسمى الكنيسة أم الملك والاحتكام للجمهور، فرغم دموية هذا الصراع وعنفه ولكن الحوارات حوله ستهيئ المجتمع ليقرر بنفسه لمن سينحاز، كما سيعتاد المجتمع استخدام الملكات العقلية وسيمكن الناس من التعامل مع المنطق السياسي.
البذرة الثالثة:
منذ بداية القرن الحادي عشر ستنشط التجارة في البحر الأبيض المتوسط، ففي السلم والحرب (الحروب الصليبية) ستنمو التجارة وتنشط ومع هذا التبادل النشط مع الشرق ستنتج آثار كبيرة. نستطيع أن نطلق عليها"بذور التحديث" (1) . ويمكن بلورتها في الآتي:
1.ستقتبس أوروبا كثيرًا في الصناعات من العالم الإسلامي.
2.سيتم ترجمة كثير من الكتب.
3.سيتم نقل كثير من العلوم التطبيقية في الطب والهندسة والفلك والميكانيكا.
4.ستغير إيطاليا ومدنها وملوكها من نمط حياتهم ليتشبهوا بحياة القصور العربية، ومن هنا ستتغير القصور وأشكال التمدن في أوروبا مثل البناء والنظافة والعطور والأثاث .. إلخ.
5.ستظهر في القصور حلقات العلم والمدارسة وستنشأ الجامعات.
6.ستضاف أفكار جديدة للقضاء الأوروبي.
بذور الرأسمالية
وبتطور التجارة وتراكم الثروة القادمة من الأمريكتين والالتفاف حول العالم الإسلامي ستظهر في أوروبا طبقة جديدة وهي الطبقة البرجوازية ربيبة المدن وهذا الخط سيقلب النظام الاقتصادي من الاقتصاد القروي إلى الاقتصاد الرأسمالي التجاري التبادلي أو اقتصاد المدن بدلًا من اقتصاد الأرياف ولن يتوقف دور هذه الطبقة عند الاقتصاد بل سيمتد للسياسة الداخلية والخارجية على حدٍ سواء.
بذور الدولة القومية
ومع نشاط المدن وانتقال الناس إليها، سيقل دور الأرياف وقيمة الأرض، وبالتالي تقل قيمة النبلاء. وستصبح سلطة الملوك أكبر على الدول، وتصبح هذه المركزية، مقدمة منطقية لظهور الشعور بالانتماء القومي (لغة + شعب + أرض دائمة + تاريخ مشترك) وستتجلى هذه الروح في الحرب الفرنسية - البريطانية، المسماة بحرب المائة عام في القرن الرابع عشر. وفي الروح الجماعية التي رافقت إخراج المسلمين من أسبانيا.
بذور الإصلاح السياسي
ستظهر بذور الإصلاح السياسي في بريطانيا في القرن الثاني عشر الميلادي. عندما ينهض الملك هنري لينظم (1) ويضبط الدولة بالقانون، ويطبقه بصرامة على جميع المستويات، ويدرب الجميع على احترامه. ورغم أن السبعين سنة التالية كانت من نصيب ملوك ضعاف؛ إلا أن نموذج هنري كان قد طبع المجتمع الإنكليزي، وأصبح مطلبًا مستمرًا.
ثم تأتي قصة تطور البرلمان البريطاني (بيت الكلام) هذا هو معنى الكلمة ومحتواها أيضًا. ثم ظهور وثيقة العهد العظيم (MAGNA CARTA) ، والتي ستشكل أول وأهم الوثائق الأوروبية في الإصلاح السياسي الدستوري.
ويمكن أن نشير إلى بعض القضايا الهامة في العصور الوسطى وعلى عجالة:
1-الحروب الصليبية
حرب أم هجرة أم مستعمرات جديدة؟
بنظرة واحدة، إلى الأسباب الحقيقية، التي دعت إلى خروج الكثيرين في الحملات الصليبية؛ سيبدو واضحًا، أن معظم هؤلاء كان دافعهم الخروج من أوضاعهم الصعبة، والوصول إلى ثروات الشرق، فالاكتظاظ السكاني في أوروبا كان دافعًا رئيسًا للخروج، من ضيق العيش، وتقلص فرص الثروة، وندرة فرص العمل، وعدم توفر الحياة الكريمة، كل ذلك دفعهم إلى عالم سمعوا عنه الكثير، وأمّلوا فيه الكثير. ويكفي أن نفس هذه الجموع التي خرجت باسم الصليب، هاجمت القسطنطينية في إحدى حملاتها، في واحدة من أبشع عمليات التدمير والنهب. ولا يقلل ذلك بطبيعة الحال من عمق الحافز الديني وقدراته التحريضية العالية، الدافعة للتضحية والموت مقابل وعد الآخرة، وهو أبرز ما طبع الحياة الأوروبية حينها.
2-الكشوف الجغرافية
حب المغامرة، الروح الوثابة، طلب العلم، هكذا تساق وتسوق الكشوف الجغرافية ولكننا مرة أخرى نتحدث، عن الهروب من أوروبا المكتظة إلى عالم جديد (مدن الذهب) . تلك كانت قصة القصص في الرحلة الغربية، وحالما اكتشفت الأرض الجديدة، وهي بالمناسبة حدث عارض ومصادفة، خارج خطط الرحالة كولومبوس الذي كان يسعى للوصول للهند أساسًا لا للكشوف الجغرافية إذا اعتبرنا اكتشاف طريق جديد للهند ليس من قبيل الكشوف الجغرافية. وقد نتج عن صدفة اكتشاف الأراضي الجديدة وتدفق المهاجرون بعدها إلى أمريكا كالجراد.
أما المعرفة البحرية، وعبور رأس الرجاء الصالح، فذلك أمر آخر له قصة، فهنا سيصل القوم إلى إحدى الدول الأفريقية، وسيطلبون من زعيمها، أن يدلهم على طريق عبور رأس الرجاء الصالح، ولم يكن الرجل مغفلًا، فقد رفض بشدة، أن يقدم لهم العون فلم يملك القوم إلا أسر ابن أخته وأخذه رهينة في سفينتهم في البحر، مهددين بقتله، وعندها أرسل إليهم الملك أحمد بن ماجد العالم العربي الذي عجب بدوره من بدائية الأدوات والخرائط، وبدأ في استخدام خرائطه وأجهزته والقصة مشهورة .. ورغم خطورة الحدث وتأثيراته اللاحقة على العالم
الإسلامي، ولكننا مرة أخرى أمام أناس في وضع متخلف دفعتهم ظروف متعددة للخروج بحثًا عن حلول خارج قارتهم التي ضاقت بأهلها ولعبت مختلف العوامل لصالح هذه القارة في هذه الفترة من الزمن كما لعبت قبلها لصالح أمم أخرى وقارات أخرى والأيام دول.
3-علوم أوروبا في هذه القرون
ستمضي القرون من الخامس إلى العاشر، دون أن يوجد شيء يذكر، قارن ذلك بالوضع في العالم الإسلامي، ودعنا نركز الضوء على الفترة من القرن العاشر إلى القرن الخامس عشر، وهي عمومًا فترة الاحتكاك العظمى والمباشرة بالعالم الإسلامي سلمًا وحربًا. وسنبحر في كتابه"عقلية العصور الوسطى"Frederick Bart mind of middle ages وهو من إصدارات The University of Chicago press
سأحاول هنا أن أختصر الصفحات ما بين 222-261 والفصل بعنوان إحياء الغرب 1500-1000 The Revival of the west يبدأ الكاتب بتصوير المعارف الأوروبية والعقلية العلمية في هذا القرن وما كانت عليه من تخلف ومجافاة للعلم في 16 صفحة ثم يقرر حقيقة علمية هامة:
فبعد هضم التراث اليوناني والهندي، دفع المسلمون حدود العلم إلى آفاق جديدة فمنذ القرن الحادي عشر بدأت الأمم المسيحية اللاتينية تتلقى من أسبانيا وصقلية والقسطنطينية ترجمة الأعمال التجديدية التي قام بها المسلمون، بالإضافة إلى الكتابات الفلسفية لأرسطو وغيره مع شروحها وتعليقات المسلمين عليها.
ولاحظ أن الاتصال بالعلوم القادمة من الشرق الإسلامي سيبدأ في القرن العاشر، ولكن أوائل الكتب المترجمة، جاءت في القرن الحادي عشر، عن طريق يهودي عربي من نابلس، وهو كتاب عن الحمى وبعض العلاجات الطبية (1087م) وبدأ استخدامه في جامعة سايرنو الطبية، وانظر إلى تعليق الكاتب على المترجم:
يقول الكاتب عن المترجم وصاحبنا قد أخفى اسم الكاتب أو أعطاه بشكل غير صحيح، وهي خدعة سيستخدمها المترجمون اللاحقون. (انظر كم من الغبن لحق بالعلماء المسلمين على يد هؤلاء المترجمين) ..