فهرس الكتاب

الصفحة 630 من 1942

وحين نتحدث عن هذا النموذج المعياري يجب أن نميز بين ثلاثة مستويات. فالمسلم يتحدث عن نموذجه المنتقى من زاوية، ويتحدث من زاوية ثانية عن الظروف التي تسمح أو تمنع من تحقق هذا النموذج بشكله الأمثل، ويتحدث من زاوية ثالثة عن المرونة الشديدة في الآليات لتحقيق هذا النموذج

* الثاني

وهو آليات التطبيق للمبادئ السابقة، ويعنينا في هذا المقام أن نشير إلى أن آليات التطبيق تخضع لمعطيات البيئة واحتياجاتها، فالحجم والكثافة السكانية والجغرافيا والخبرة

البشرية والزمن .. كل ذلك يلعب دوره في تطوير الآليات ولكن يبقى الإنسان يرقب مدى تطبيق المفاهيم السابقة ومصداقية العملية السياسية وهذا هو المحك الفاصل، ذلك هو النموذج المعياري.

ثانيًا: الدولة الأموية (الشرقية) 661م-750م

انطلقت الدولة الأموية بالإسلام إلى أقصى الشرق والغرب رغم تعطيلها للنظام الإسلامي الشوري المعروف في دور الخلافة الراشدة. وقد دخلت هذه الدولة في مرحلة الضعف منذ عهد الوليد بن يزيد بن عبد الملك (743م) . واستمر الانحدار والضعف حتى أسقطها العباسيون (750م) .

ونستطيع أن نجمل أهم سماتها في التالي:

الفتوحات

حيث امتدت الدولة شرقًا إلى بلاد ما وراء النهر (التركستان) ، وشمال الهند (باكستان وبنجلادش) . كما اتسعت غربًا من برقة إلى المحيط الأطلسي.

حركة التعريب

وهي من أهم الحركات التي شهدها العصر الأموي. وذلك لتقوية الحكم العربي في الدولة الممتدة. فتم تعريب دواوين وأجهزة الدولة، وتعريب العملة المتداولة وتوحيدها بين أبناء الدولة الشاسعة.

النهضة الفكرية والعمرانية

تكونت بذور الحضارة الإسلامية. واتخذت النهضة الفكرية طابع الدراسات الدينية والاهتمام باللغة العربية وآدابها، على حين تجلت النهضة العمرانية في اهتمام الأمويين بتشييد المساجد والقصور.

ثالثًا: الدولة العباسية

وفي عهدها تتزامن دولتان:

1-الدولة العباسية

في الشرق ولها عصرها الذهبي الذي يبدأ بالسفاح 750م وينتهي بالواثق 847م ثم عصر الانحطاط ويبدأ بالمتوكل 847م وينتهي بالمستعصم 1258م (دخول المغول) .

2-الدولة الأموية:

في الغرب والتي تقوم سنة 756م على يد عبد الرحمن الداخل وتصل إلى مرحلة الضعف والتفكك سنة 1100م لتسقط في سنة 1452م.

ومع ضعف الخلافة العباسية ودخولها في المنحنى التاريخي الهابط، وهو أمر فرضته ظروف كثيرة، داخلية وخارجية، أتيحت الفرصة لكثير من أطراف الدولة، أن تتحول لمراكز حضارية بديلة عن القلب.

وإليك خارطة التفتت التاريخي:

1. (815م) سيستقل السري بن الحكم (بمصر) .

2. (819م) الدولة الظاهرية (خراسان) .

3. (868م-905م) سيستقل أحمد بن طولون بمصر (الدولة الطولونية) .

4. (909م) الدولة الفاطمية في المغرب ثم في مصر 969م لتنتهي على يد صلاح الدين 1171م.

5. (949م-1055م) الدولة البويهية (خراسان) ومدت سلطانها لبغداد.

6. (935م-969م) الدولة الإخشيدية (مصر-فلسطين-لبنان-سوريا) .

7. (944م-1003م) الدولة الحمدانية (حلب) .

8. (1055م-1258م) الدولة السلجوقية (عاصمتها بغداد، فارس، أفغانستان، أرمينيا، جورجيا، الأناضول-وصلوا حدود الصين وأخذوا الهلال الخصيب) .

9. (1172م-1250م) الدولة الأيوبية.

10.المماليك (1250م-1516م) .

11.العثمانيون (1299م- 1924م)

وسنركز في هذا المسار على دولتي المماليك والعثمانيين لما لهما من أهمية في الإطار الذي نتحدث عنه.

رابعًا: عصر المماليك

العصر المملوكي (منذ منتصف القرن الثالث عشر إلى أوائل القرن السادس عشر)

وشهد عصرين:

* العصر المملوكي الأول: الذي ساده مماليك البحرية 1250م-1382م. وهو عصر القوة والعطاء.

* والعصر الثاني: الذي ساد مماليك البرجية 1382م-1517م. وهو عصر الضعف.

وطبعت هذه الدولة تناقضات حادة نتيجة التركيبة المملوكية وسنحاول أن نلخص جملة التناقضات تحت مجموعة من المحاور.

الأول: محور الحكم

شكل المماليك طبقة مغلقة مترفعة عن الشعب، ومتقاتلة فيما بينها إلى أقصى درجة. فالمماليك لم يختلطوا بسكان مصر، وترفعوا عن الناس، وكان رجال الدين واسطة الاتصال بينهم وبين الشعب. وفرضوا أنفسهم بقوة الجيش الذي استغل موارد البلاد بتعسف.

أما المماليك البرجية فقد كونهم السلطان قلاوون. ليكون طائفة جديدة من المماليك، ترتبط به، ويكون ولاؤها له. فاختار عنصرًا قوقازيًا، أطلق عليهم الشركس، وكانوا على عداء مع المماليك البحرية. وبدأوا يتدخلون في الشئون العامة تدريجيًا كمنافسين للمماليك البحرية. حتى وصلوا إلى سدة الحكم عام 1382م.

الثاني: محور المجتمع

1.احترم المماليك - ربما من باب المصلحة - طبقة العلماء، وأكرموهم، ولكن للمفارقة كان كثير من المماليك يأبون على العلماء ركوب الخيل باعتبارها درجة لا ينالها إلا المماليك!

2.قربوا التجار ولكنهم كانوا يرهقونهم بالمطالب.

3.احتقر المماليك الشعب والفلاحين. فأرهقوا المجتمع واكتظت المدن بالفقراء والعاطلين وساءت حالة الفلاحين.

4.كثرت الثورات خاصة في صعيد مصر معقل العرب.

الثالث: محور الاقتصاد

حدث نمو تجاري قوي، ونظمت التجارة الخارجية والداخلية، وزادت الثروات بطريقة خيالية في العصر المملوكي الأول. وفي العصر المملوكي الثاني دخل المماليك التجارة بأنفسهم واحتكروا السوق، وفرضوا الضرائب، وأرهقوا التجار الأوروبيين، واضطربت حالة النقد، بسبب التلاعب في موازين النقود. وكانت هذه الأوضاع المرهقة اقتصاديًا من ضمن عوامل أخرى أجبرت أوروبا على البحث عن طريق جديد للتجارة.

الرابع: محور الحياة العمرانية

اتسمت بالرقي الفني بسبب الغنى الفاحش الناتج عن تجارة الترانزيت.

الخامس: محور العلم

اعتنى المماليك بالمدارس والتعليم الديني لإزالة آثار الدولة الفاطمية، فازدهرت المدارس، وكثر التأليف خاصة في التاريخ، وبرزت جمهرة من العلماء في الآداب والفلسفة: مثل ابن خلكان، وأبو الفداء، والمقريزي، وابن خلدون، وكثرت المكتبات وانتشرت في القصور والفنادق والجامعات.

السادس: محور الدين

اتسعت حركة التصوف، وذلك بسبب الضغوط على الشعب والفلاحين فتركوا الدنيا ولجأوا إلى طلب الآخرة.

السابع: المحور العسكري

كان للمماليك البحرية الفضل في صد الهجمات المغولية الشرسة التي تعرض لها العالم الإسلامي وذلك على يد المظفر قطز، كما كان لهم الفضل في إنهاء الوجود الصليبي في الشرق وذلك على يد الظاهر بيبرس.

إن التوصيف السابق يعطي مؤشرًا على النتائج المتوقعة لمثل هذا المسار. فسنجد مجتمعًا اختل فيه عالم العلاقات:

فالحاكم مستأثر بالمال والحياة والسوق نتيجة لنعمة الموقع المتميز، ومرور التجارة في أراضيه. وهي على كل حال ثمرة لحدث سعيد يمكن مقارنته بالبترول في عصرنا في بعض دول العالم الثالث، وهو حدث لابد أن تنعكس آثاره على العمران والبناء والرفاهية الخاصة. بل والصرف على التعليم وخلق مناخ يسمح بظهور بعض المواهب.

ولكن على مسار الكتلة البشرية الكبيرة في المجتمع المملوكي كان الاتجاه معاكسًا، فهذه الكتل لم يكن لها نصيب لا في مباهج الدنيا ولا في العلم، فانتعشت الطرق الصوفية، واستوعبت هذه الكتل مقابل وعد الآخرة، إذ فشلت في الحصول على نصيب من الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت