ولما كان العمران والتعليم ثمرتين للوفرة المالية، لا لتطور عالم الأفكار والعلاقات الاجتماعية؛ فإن انقراضه سيحدث لنفس السبب، أي زوال الوفرة المالية. وهنا يأتي الحدث الكبير باكتشاف رأس الرجاء الصالح، وتحول طريق التجارة إلى مسار جديد .. فماذا سيحدث للعمران، والعلم؟ وقد قررنا أن المجتمع كان قد تدمر قبلها وانخرط في حياة الطرق الصوفية أو عالم الهروب من الدنيا على مستوى القاعدة، وعالم المتعة الحسية المادية على مستوى القمة.
إن الإجابة سنكتشفها مع حملة نابليون بعد قرنين من الزمان أي في القرن السابع عشر حيث يصف الجبرتي الحالة بشكل يدعو إلى الشفقة.
خامسًا:التاريخ العثماني
مراحل الدولة الثلاث:
1.التأسيس (1299-1512م) من عثمان الأول إلى بايزيد الأول.
2.القوة (1512-1595م) من سليم الأول إلى مراد الثالث.
3.الضعف والانحلال (1595 - 1924م) .
فترة التأسيس
* عهد التحول من الإمارة للدولة في القرن الرابع عشر.
* توسع في أسيا الصغرى وفي أوروبا وصل إلى البلقان ووضع نظام عسكري جديد يلقي الرعب في أوروبا لمدة أربعة قرون متتالية.
* امتداد حدود الدولة إلى شواطئ نهر الدانوب وجهات البوسنة في عمق أوروبا الشرقية ، وتم تحديد لون وشكل العلم العثماني.
* أكبر انتصاراتها:
القرن الخامس عشر
1.فارنا 1444م.
2.فتح القسطنطينية 1453م.
* اتجاه الدولة العثمانية للشرق 1517م. ففي عام 1512م اعتلى السلطان سليم الأول عرش الدولة العثمانية. وبدأ بإخماد ثورة الشيعة في آسيا الصغرى. وفي عام 1514م استولى على أجزاء من إيران. ثم استطاع أن يقهر الدولة المملوكية في موقعة الريدانية عام 1517م. وغدت مصر ولاية عثمانية.
وهنا يخطر سؤال هام إذا كان المماليك قد هزموا على يد العثمانيين سنة 1517م في الريدانية فلماذا ينسب إليهم القرن السادس عشر والسابع عشر وهما قرنان عثمانيان؟
ونجيب على ذلك، أن الدولة العثمانية، تركت الشؤون الداخلية للبلاد على حالها، وبنفس ترتيب المماليك إلى حد كبير، وزادت ذلك بعزل العالم العربي عن الاحتكاك الخارجي في هذه الفترة الحرجة من المخاض البشري، فقد كانت دولة مشغولة بحروبها لا بتطوير الولايات فاستمر خط
الانحدار على جميع المستويات، وعلى كل حال فالدولة العثمانية وصلت أوجها 1566م وبدأت في الانحدار بعدها، سواءً في المركز أو الأطراف.
* أقوى فتراتها (1566م سليمان القانوني في منتصف القرن السادس عشر) .
ترك السلطان سليمان الأول بصماته الثقافية والسياسية على الدولة العثمانية، فأطلق عليه الغرب لقب"العظيم"، وكانت شخصيته في أوروبا موضوعًا لروايات وتمثيليات عديدة، وكان عظيمًا في حجم تجهيزات جيوشه، وفي اتساع حملاته التي وصلت إلى النمسا، وفي أعماله العمرانية، حتى أن درجة تكامل دولته لا يمكن قياسها مع تكامل أية دولة أوروبية خلال المدة نفسها، كما اتصف بالورع والتمسك بأهداب السنة.
فترات الضعف والانحلال
* فترة الضعف الأولى بين القرنين السابع عشر والثامن عشر من محمد الثالث إلى مصطفى الرابع (1595-1808م) .
* فترة عهد الإصلاح والتغيير والتنظيمات التي غطت القرن التاسع عشر حتى صدور دستور عام 1876م. ويمثل هذه الفترة كل من السلاطين: محمود الثاني - عبد المجيد الأول - عبد العزيز ومراد الخامس.
* احتلال بريطانيا وفرنسا لأجزاء من العالم الإسلامي.
* أوروبا تضغط على السلطان عبد الحميد الثاني ليسمح بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وقد رفض السلطان مبلغ ثلاثة ملايين جنيه عرضها عليه تيودور هرتزل زعيم الصهاينة مقابل أن يسمح لهم بإقامة وطنهم في فلسطين، غير أنه حاول تقليل هجرات اليهود إلى فلسطين ولم يتمكن من منعها.
* فترة تنفيذ نظرية الجامعة الإسلامية والمشروطية (1) طيلة عهد السلطان عبد الحميد الثاني حتى عام 1909م.
* فترة قيام الثورة بزعامة حزب الاتحاد والترقي وإنهاء دور الخلافة الإسلامية بين عامي 1909م - 1924م. ويمثل هذه الفترة كل من السلاطين: محمد الخامس - محمد السادس وعبد المجيد الثاني.
* هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى وحلفاؤهم (ألمانيا والنمسا وبلغاريا) أجهض الدولة وأصابها إصابة بالغة.
* لم تعد الدولة العثمانية تمتلك من أراضيها سوى تركيا.
* تنامي الفكر القومي التركي و أخرج مصطفى كمال الخليفة من البلاد وأعلن سقوط الخلافة الإسلامية 1924م
* امتدادها الزمني ستة قرون 1299-1924م.
أسباب ضعفها
1.الفكري: غياب الصورة الكلية للصراع.
2.التنظيمي:
الحكم
الوراثي (تَذَبْذبُ مستوى من يصلون للحكم وكثرة الصراع وهو معلم تدميري هام لأي دولة) .
الجيش
عدم مرونته (رفض الانكشارية التحديث وهم العمود الفقري للجيش العثماني) .
القانون
ضعفه (وعدم تطوره ليناسب احتياجات الدولة وولاياتها) .
الجبهات
كثرتها (تعدد جبهات الصراع يضعف أكبر الأمم) .
وإذا كان لنا من تعليق على الدولة العثمانية، وجَردْ حسابها التاريخي، فيمكن القول بأنها كانت أهم ثغور التاريخ الإسلامي. وقد حمت العالم الإسلامي طوال ما يقرب من أربعة قرون أو يزيد من السقوط تحت الاحتلال الغربي. ويمكن القول أنها حمت الجزء السني في العالم الإسلامي من الدولة الصفوية وما كان يمكن أن تحدثه في العالم العربي من آثار، ولاشك أنها
كانت طوال القرن الرابع عشر أقوى دول العالم قاطبة من حيث القوة العسكرية وقوة التنظيم، بل وكانت اسطنبول أفضل عواصم العالم تحضرًا.
ولكن النصف الثاني من القرن السادس عشر سيشهد أفول نجم هذه الدولة وصعود نجم الدول الأوروبية المجاورة بسبب وفرة التمويل القادم من القارة الأمريكية المكتشفة حديثًا، مع ما وفرته فرصة أربعة قرون من الاحتكاك بالعالم الإسلامي من تغيرات في الثقافة والعلوم الأوروبية والتي أشرنا إليها سابقًا .. كل ذلك سيلعب دوره في تغير كفة الميزان تدريجيًا لصالح الكتلة الأوروبية. ولكن هذا التفوق لن يكون حاسمًا إلا في القرن الثامن عشر مع الثورة الصناعية، وستكون صحوة الدولة العثمانية متأخرة جدًا، وستفشل عملية التحديث ومحاولات الإصلاح في القرن التاسع عشر، بسبب -عاملين هامين- في تصورنا. أولهما: تركيبة العسكر في الدولة وقوتهم وتمردهم على الإصلاح، والثاني: أن عملية الإصلاح جاءت والدول الأوروبية قد تطورت وحاصرت الدولة العثمانية، حتى غرست أظافرها في جسد الدولة المريضة، وتدخلت لمنع هذا المريض من الشفاء.
ويبقى بعد ذلك أمرٌ لابد من الإشارة إليه، هو الموازنة بين إيجابية الدولة العثمانية بحماية العالم الإسلامي من أوروبا على مدار قرون وحماية العالم العربي من الدولة الصفوية أيضًا وبين سلبية عزل العالم العربي عن الاحتكاك بالعالم الخارجي والسياسات السالبة لعدد من الولاة الأتراك مما أثر سلبًا على حالة العالم العربي لاحقًا. هذان الأمران محل جدل قائم إلى اليوم ويشكلان عاملا استقطاب للتيارات في العالم العربي وكلا الأمرين له وجاهته ولكننا نعتقد أن المقارنة بين الأمرين لاشك تعطي تفوقًا إيجابيًا لصالح الدولة العثمانية وتاريخها الطويل في حماية العالم الإسلامي.
عوامل التحلل في الكيان الإسلامي
أولًا: العوامل الخارجية
الحملات العسكرية
والتي تجسدت في الحملات الصليبية والتترية على العالم الإسلامي فأنهكته بطبيعة الحال مثلما تفعل الحروب فتبتلع الأخضر واليابس.
اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح