فهرس الكتاب

الصفحة 632 من 1942

والذي أضعف العالم الإسلامي اقتصاديًا حين تحولت التجارة إلى طريق الحرير، وقل احتياج الأوروبيين إلى البحر الأبيض المتوسط. فجفت الثروات التجارية الناتجة عن التبادل التجاري مع الموانئ التي توجد على ساحله.

ثانيًا: العوامل الداخلية

1)المعضلة الجغرافية

حين تتوسع أية أمة، على مساحة جغرافية ممتدة، في عصر تبدو خطوط الاتصال والمواصلات فيه لا متناهية، فإن أكبر مشكلة تواجهها هي السيطرة على الأطراف، ولو نظرنا إلى عاصمة الخلافة العباسية في بغداد، كقلب وللشام والعراق كصدر يحوى هذا القلب، ثم تصورنا الجناحين المهولين اللذين يحملهما على جانبيه وهما مصر والشمال الإفريقي غربًا وبلاد فارس وما وراء النهرين شرقًا. لكان الأصعب هو تصور إمكانية استمرار تحريك هذين الجناحين والمحافظة عليها، مع علمنا أن صحة القلب، ليست مضمونة إلى الأبد.

بغداد

تركيا

مصر

وما بعدها

فارس

وما بعدها

البحر المتوسطالشريط المقدس

المعضلة الجغرافية ممثلة بقلب صغير وجناحين عملاقين

2)المعضلة الإثنية

إن تركيب أي مجتمع، متعدد الأعراق، يشكل تحديًا محيرًا اليوم، ناهيك عن الأمس البعيد، ونقصد باليوم الواقع الفكري المتطور لأطراف المعادلة، وإمكانية صياغة العقد الاجتماعي على أسس توافقية، أما في المجتمعات الملكية القديمة وهي التي سادت التاريخ الإسلامي، فقد كانت صياغة مثل هذه العقود، من قبيل الإعجاز، ومثل هذه الإشكالية كانت ولازالت تحتاج إلى دولة مركزية قوية تنتظم فيها الأطراف ونظام عادل يمنع البغي على

الحقوق وآلة إعلامية وروحية عالية ونظام اتصال فعّال .. إلخ، وكل ذلك ضروري لتماسك المجتمع.

3)المعضلة السياسية

إن النموذج الإسلامي الأول"النموذج الراشد"ظل هو الحلم الذي يعيش عليه المسلمون. ويقيسون به صلاح الوضع السياسي، ولما كان الاعتداء على بعض أجزاء النموذج قد تم في مرحلة مبكرة، بالتحول من الدولة الراشدة إلى النظام الملكي، وعجز المجتمع المدني عن استعادة زمام المبادرة، رغم كل المحاولات وأولها محاولة عبدالله بن الزبير الناجحة حيث استعيدت الخلافة لمدة تسع سنوات ولكن عودة الملكية وانتصار الأمويين، قاد إلى استمرار الصراع داخل المجتمع وكثرت الثورات وتعددها في كل مكان، ثم إن طبيعة الحكم الملكي الداخلية، التي تعتمد على الغلبة، جعلت تيار العنف الداخلي يسود وهو أمر سيظل مصاحبًا لمجتمعات كثيرة وإلى اليوم، كما أن حماية الحكم الملكي كانت تعتمد بالأساس على المرتزقة بشكل أساسي في عصور متطاولة، وفي بعض الفترات على تغليب فئات اجتماعية على أخرى، مما مهد الأرضية لعدم الاستقرار بصورة دائمة. ورغم أن الإسلام حل هذه المعضلة بآلية التراضي المسماة بـ"الخلافة الراشدة"؛ فإن ضمانات تفعيل آلية التراضي لم تتبلور إلا في عصرنا الحاضر. ولم تعرف دول العالم قاطبة ذلك النمط إلا في القرن الثامن عشر مع الثورتين الأمريكتين والفرنسية وبتكلفة عالية جدًا ابتداءً، باستثناء بريطانيا، التي تدرجت في حل هذه الإشكالية ربما بأقل قدر من العنف، بينما لم تعرف بعض دول أوروبا مثل أسبانيا حلًا لهذه المشكلة إلا منذ سنوات قليلة.

4)معضلة التعصب

اختلال المفاهيم الدينية والنزعات

أ- حول الخلافة

1-السنة. 2-الشيعة . 3-الخوارج.

وكل منها لها تشعباتها وفرقها ونزعاتها، وكثر الاحتراب حتى غدت كل فرقة تجسد تجمعًا دينيًا مغايرًا، متباينًا في أمور كثيرة. وقد ولدت فترة الفتنة فقهًا يدعو إلى القبول بالظلم، والرضوخ له، وانتظار الأقدار لتغييره بصورة أو بأخرى. وأصبحت ولاية المتغلب عنوان عند أهل السنة والجماعة. واعتبرت قضية الحكم قضية خاصة بفئة من الناس، وأن الآخرين عليهم الانتظار. إن جاءهم صالح فبها ونعمت، وإن لم يأتهم فهذا قدر الله عليهم. هذه النظرة التي هي أقرب إلى الجبرية السياسية تعززت في الفقه الإسلامي وفي العقلية الإسلامية، وأصبحت تفرخ كثيرًا من المدارس التي لم تكن تدرك خطورة هذا المنهج على مجمل حركة الحياة الإسلامية بعد ذلك.

ب- في العقائد

أولى المسائل التي أثيرت مسألة القدر وسؤالهم: هل الإنسان مخير أم مسير؟

وثانيتها مسألة مرتكب الكبيرة: مرتكب الكبيرة الذي لم يتب هل هو مؤمن أم كافر؟

وثالثتها مسألة الأسماء والصفات وأهم مسألة طرحت يومها: هل القرآن كلام الله أم خلق من مخلوقاته؟

وستظهر فرق تنافح عن اختياراتها:

جـ- في الفقه:

تعددت المذاهب بين جميع الفرق، واختلفت الآراء، ولم تخل من التعصب. وتلك هي الآفة الكبرى لأي مجتمع، فعندما ينتقل النقاش المنطقي، إلى ساحة الفعل التحريضي، ومن ثم إلى ساحة العنف فإن ذلك دمار للمجتمع، فإذا استدعيت جماهير الغوغاء إلى ساحة المعركة الكلامية، فتلك بداية النهاية لكل شيء جميل، لأنها تنتقل تلقائيًا إلى ساحة العنف ضد المعارضين، وذلك الأمر الذي يقتل الفكرة والعقل وهما دعامة النجاح لأي مجتمع وعليهما يقوم الإيمان والتكليف وبهما يخطط لنصرة الدين وإعمار الحياة.

5)المعضلة الاقتصادية

سوء توزيع واستخدام الثروة، الاحتكار، تداول الثروة بين طبقة محددة بالباطل، اعتبار الدولة غنيمة، وملكًا شخصيًا للوالي. كل هذه المثالب طبعت الدولة في عصورها المختلفة، ثم الانغماس في الملذات بشكل غير مسبوق، حكيت عنه الأساطير، خاصة لبعض الولاة في تاريخنا، هذا الترف والسرف، أضاع الدنيا والدين معًا على مر التاريخ، ونحن هنا سنأخذ واحدة من أغنى الدول التي حكمت العالم الإسلامي قبل انهيار الوضع، ونسجل للدولة المملوكية، غناها التجاري الباهر، ونسجل عليها فقر الفلاحين وطبقات الشعب، والحرمان الذي كانوا يعانونه، في هذه الدولة الغنية، والمدى الذي وصلت إليه الأحوال في الشارع المصري من جراء ذلك، والآثار المدمرة التي ستقود إليها بعد ذلك، والتي سيصفها لنا الجبرتي - المؤرخ المشهور- يوم نزل نابليون إلى مصر، ومدى تدهور الحالة الحضارية للمجتمع. ويمكن أن يرجع إلى ذلك في تاريخ الجبرتي.

إنّ أخطر ما في الحالة الاقتصادية المذكورة، أن الغنى والترف، كانا نتاج حدث عارض، وهو أن موقع الدولة في قلب العالم وسرته حتَّم مرور تجارة العالم القديم خلال مصر إلى أوروبا، ولم يكن ذلك ناتجًا عن نشاط المجتمع وحيويته الكلية ومشاركته في الدفع الاقتصادي، ولما كان الحدث العارض عارضًا، فزاوله محتوم، وقد حدث ذلك باكتشاف طريق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت