فهرس الكتاب

الصفحة 633 من 1942

الرجاء الصالح وعندها انكشفت القدرات الحقيقية للمجتمع، وأختبرت صلابة بنائه وكانت النتيجة ذلك السقوط المريع للمجتمع. أن إيجاد مجتمع نشط بسبب حالته الداخلية الصحيحة كان ولا يزال التحدي الأكبر لأمتنا. وهي مدعوة لأن تتعلم الدرس التاريخي الأزلي، أن المال يجب أن لا يكون"دولة بين الأغنياء"ويجب أن تعتمد الدولة على نشاط المجتمع وحيويته لا الأحداث العارضة مثل تجارة الترانزيت والاقتصاد السياحي الذي يعلم الجميع أنه لا يبني العمود الفقري للاقتصاد وأقصى ما يمكن أن يقدمه فسحة من الوقت لبناء ذلك الاقتصاد لا أكثر ولا ضمان لاستقلال أي أمة لا تمتلك اقتصادًا حقيقيًا.

6)إهمال العلوم التطبيقية

لقد شاع في كثير من فترات التاريخ الإسلامي، أن العلوم الشريفة هي علوم الدين، أو كما قيل"قال الله وقال رسوله"أما عدى ذلك، فهو أمر يؤخذ منه بأقل قدر، فالحساب، والفلك، والكيمياء .. إلخ كلها يجب أن تعطى أقل قدر من الاهتمام، وفي مراحل أخرى، أصاب الاضمحلال حتى العلوم الدينية، وساد التقليد واجترار الموروث، دون أي خلق وإبداع جديد .. تلك النظرة للعلم وتطبيقاته، قضية لم تحل إلى اليوم، وإن كانت دخلت في طور جديد، وهو عالم استهلاك التطبيقات العلمية، وعدم تجاوز ذلك إلى سبر المعرفة العلمية، والغوص في أعماق العلوم. وأصبحت الجامعات محطات تفريخ لمجاميع تفتقد المضمون العلمي، وروح العلم وأن حملت أوراق اجتياز الامتحانات النظرية والشهادات المعهودة. إن الخروج من هذه الحالة هو تحدٍ لابد من اجتيازه إذا أردنا النهوض والخروج من المأزق.

7)ضعف الدافع العقدي

إن الناظر في أحوال الأمم، يستطيع أن يلمح، وباستمرار أثر الدافع العقدي، في مسيرة أية أمة، هذا الدافع العقدي، هو الإيمان بقضية ما إيمانًا لا يحتمل الجدل، والحماس للفكرة، حماسًا يجعل كل تضحية في سبيلها أمرًا هينًا، تلك هي"المكنة النفسية"التي إذا زرعت في أمة ما نفخت الرياح في أشرعتها، وإذا نزعت من أمة ما دب السكون والموات في جنباتها، ونكست راياتها، وبفضل هذه النفخة، اندفعت الأمة في الأرض، وكلما خفتت هذه

الروح، سكنت وتراجعت، ومع مرور الأيام والسنين بدأ الوهن العقائدي يدب في أوصال الأمة، مما مهد لحالة التراجع، ورسم خطًا مبكرًا هدد ولايزال هذا الكيان الكبير، لقد عرّف الصدر الأول العقيدة بالعمل، وعرفت الأمة بعدها العقيدة بالجدل. والفرق بين المعنيين كبير، فالأولى تعني أن المؤشر الحقيقي للعقيدة، هو في مجموع الجهد الذي يضعه الفرد لخدمة أهداف الدين على جميع المستويات، والمعنى الثاني يعني مجموع ما يعرفه الفرد من اصطلاحات وتعريفات، وما يتقنه من جدل وحجه في موضوع العقائد، هذا الخط وهذا التحول سيظل قائمًا يؤدي دوره السلبي على مر العصور اللاحقة.

8)عدم متابعة تطور الأمم الأخرى

لقد كانت الأمة في حالة صراع حاد ومازالت، هذه الحالة التنافسية كانت تستدعي بالضرورة، متابعة التطورات التي تحدث في الأمم المنافسة، ولكن ذلك لم يحدث، وكان له أسوأ الأثر على مستقبل الأمة الإسلامية. فالدولة العثمانية المشتبكة مع الغرب، لم تفلح في رصد متغيرات الحالة الأوروبية في القرن الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر، ولذلك فوجئت بالتحولات العسكرية التي حدثت بعدها، وقل ذلك عن المماليك، الذين كانت بعض ممالك البحر الأبيض المتوسط الأوروبية تدفع لهم الجزية، فقد فوجئوا لحظة نزول نابليون بصنف آخر من الناس غير الذين عهدوهم في الحروب الصليبية وهزموهم فوجًا بعد فوج، ولم يكن ذلك ليحدث لو كانت قرون الاستشعار حية في الأمة ونسبة الغرور أقل.

9)تكوين النخب حول السلطان

لقد رأينا أرسطو على رأس مرافقي الإسكندر المقدوني، ورأينا جاك أتالي حول ميتران في عصرنا، ورأينا النخب المفكرة الاستراتيجية حول رجالات البيت الأبيض، لكن من يجتمع حول سلاطيننا على مر العصور؟! فإذا استثنينا إشراقات صغيرة داخل التاريخ فسنجد غالبية غالبة من محترفي النفاق تتمركز حول نقطة اتخاذ القرار، نخب تفتقد العلم والخبرة، تحيط بالوالي إحاطة السوار بالمعصم يسمع بآذانها، ويفكر بعقلها، ويتردى وهو يحسب أنه يصعد، تتحول الهزائم إلى انتصارات والنكسات إلى أفراح واحتفالات، تهيئ له أن

يستريح لتحمل هي عنه الهم، فتسرح وتمرح في المال العام، ثم تقوم المعادلة الصعبة، فهو يحتاجهم ليستمر في الحكم، وهم يحتاجونه ليستمروا في النهب. تلك الفكرة الضيقة عن الحكم، والغنيمة، صبغت - ومازالت - كثيرًا من عصور التاريخ، ولم ننتقل لفكرة الوطن والأمة بعد. ولم يسلم من مثل هذا الوضع إلا قلة في الماضي والحاضر وعندما يتحول الوضع إلى الصورة أعلاه، تتوارى النخب الحقيقية وتبتعد تجنبًا لمثل هذه الأجواء المريضة، ويبتعد الشعب عن المسئولية، وعن البناء، ليتحول إلى أداة عاطلة عن العمل، وتصعد فرق الهدم على هذه الأنقاض لتشارك في عمليات النهب بقدر استطاعتها، تلك هي الحلقة المفرغة التي تدور فيها الأمة منذ أجيال، وتصحبنا إلى هذا الحاضر الذي نعيشه، وعلى الأمة قادة وقاعدة أن تنتبه لهذا الوضع المدمر.

10)حكم من لا يعرف الإسلام

ثم إن كثيرًا ممن حكموا ويحكمون العالم الإسلامي إلى اليوم، معرفتهم بالإسلام لا تتعدى المعرفة السطحية، وأداء العبادات إن فعلوا. هذا إذا تحدثنا عن الغالب التاريخي، أما الإسلام كمشروع حضاري كلي، وكنظام جديد للبشرية، وكدعوة ورسالة للعالمين، أما معرفة المنتظم الإسلامي، وخريطة الحركة الكلية من أجل الإسلام، أما التجرد للفكرة وبنائها لبنة بعد لبنة في هذا الصرح العظيم، فذلك أمر كان بعيدًا عن أذهان كثير من الساسة، وما حمله وقام بتبعاته، في الغالب إلا جمهور الأمة وبعض من أشرق النور في قلوبهم ولو ومضة من حكام الأمة، لقد انفصل الحكم عن المشروع ولم ينفصل عن الحاجة للدين في شكله الطقوسي، لأنه أداة تسكين للجمهور وأداة لكسب الشرعية، وبالتالي إذا أردنا التقدم فلابد من حل هذه المعضلة المستعصية تاريخيًا وإعادة الدولة لخدمة المشروع والحياة به، وهو الأمر الذي لابد أن تتحمله قيادات الأمة الإسلامية سواءً كانت نخب الحكم أم نخب الثقافة.

11)أزمة المدينة العربية

وهي جزء من أزمة الديموغرفيا المختلة، فنتيجة للكثافة السكانية، وأزمة الحكم المستمرة، كانت الحاجة دائمة عند الملوك لاستدعاء البادية لحكم المدينة العربية، وفي أشكال

مختلفة، فمرة تستدعي البادية العربية، ومرة تستدعي البادية التركية، والشركسية ومرة تستدعي العسكرتاريا أو القبيلة المعاصرة، وهي في كل الأحوال كتل بشرية معرفتها بالحضارة قليلة، ولكن قدرتها التنظيمية عالية، بسبب من رابطة الدم، أو رابطة الانتماء للعسكر، وعبر التاريخ الطويل، انتقلت هذه من حماية الحكم إلى حكم المدينة، في حين عُزِلَ أهل المدينة عن تسييرها في جهازها الأعلى، هذا الاختلال، قد تم إصلاحه في الحركة التاريخية الأوروبية، يوم أن حكمت المدينة نفسها، ممثلة في سكان المدن، فأوجدت حالة الاستقرار والتنمية، مهدت لحركة النهضة، أما في المدينة العربية وإلى يومنا الحاضر، فلم تستطع المدينة استعادة حريتها وتوازنها.

نظرات في مسار المماليك والعثمانيين

إن أهم مراحل التاريخ الإسلامي هما مرحلتي المماليك والعثمانيين من حيث بدء خط الانكسار واصطدامه بخط النهضة الأوروبي ولابد أن نلحظ هنا عدة أمور:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت