فهرس الكتاب

الصفحة 813 من 1942

ومن الأسباب - التي أدت إلى هذه الفجوة بين مراكز البحث وبين القادة والعاملين - ما هو متعلق بهذه المراكز من حيث تجويد منتجاتها وتمويلها عن طريق ضخ الأموال فيها وإيجاد المتخصصين والكوادر المناسبة لها، وذلك أمر ميسور لو تم توعية المستثمرين وقادة الدول بأهمية هذه المراكز البحثية ودورها الفعَّال في مشروع الأمة. ولكن وصول هذه المعلومات إلى المستفيدين الحقيقيين - وهم النشطاء من العاملين في ساحة التغيير - أمر آخر تكتنفه صعوبات متعلقة بعقلية كثير من العاملين في الساحة النهضوية، إذ أن كثيرًا منهم لا تزيد ثقافتهم عن الثقافة الخطابية المعهودة، أو الثقافة الصحفية البسيطة، كما أن معرفتهم بالمؤشرات الحساسة وطريقة قراءتها واستخدامها لتغيير الواقع معرفة محدودة. ولذلك ينبغي أن يتم التركيز على تدريب هذه الكوادر على قراءة المعلومات واستيعابها والعمل من خلالها؛ بل وتدريبهم على إقامة المراكز الصغيرة التي تعنى بأنشطة معينة وظواهر محددة في بيئات معينة. عندها فقط يمكن أن تصبح حركة الصحوة في العالم الإسلامي حركة علمية قائمة على المعرفة الحقيقية.

الإسلام ورفع الواقع

ويعتقد كثير من الناس أن هذا أمر جديد ودخيل على الإسلام، ولكنه في الحقيقة أمر أصيل في ديننا. فالمصطفى e طلب من المسلمين - لدى دخوله المدينة - أن يحصوا له من بها من المسلمين. وهو ما يمثل تعدادًا رقميًا مبكرًا للمسلمين، ثم طلب منهم بعد ذلك أن يحصوا له من يستطيع القراءة والكتابة، وبعد أن اكتملت واتضحت الرؤية لرسول الله e وحدد الحالة الأولية - بعد اطلاعه على الأرقام المطلوبة والتي كان مجملها أن كم

استخدم رسول الله r طريقتي الإحصاء الكمي والاستقراء الإحصائي في صدر الإسلام

ليس من ثقافة بيئتنا استخدام المعلومات.. لذا فإن التحول إلى المعلوماتية أمر في غاية الأهمية للانتقال من حالة الصحوة إلى حالة اليقظة

المسلمين الذين يحسنون القراءة والكتابة في قاعدة الإسلام الأولى وهي المدينة عدد غير كافٍ - كان تدخله e لتغيير هذا الواقع عقب أول غزوة من غزواته عندما جعل من شروط إطلاق أسرى بدر أن يعلم كل أسير عشرة أفراد من مسلمي المدينة القراءة والكتابة.

فنحن أمام عملية إحصاء كمي أعقبها عملية تدخل لمحاولة إيجاد حل للواقع الذي رأى الرسول e أنه لابد من تغييره. فكانت نتيجة هذا التدخل هي إيجاد قاعدة معرفية - تقرأ وتكتب - داخل المجتمع الإسلامي.

ولم يستخدم الرسول e طريقة الإحصاء الكمي فقط؛ بل إنه استخدم أيضًا ما يطلق عليه في العلوم الحديثة الاستقراء الإحصائي. وقد كان ذلك في بدايات غزوة بدر، عندما سأل رسول الله e أحد الأسرى من المشركين عن عدد جيش قريش، ولما كان الأسير لا يعرف يقينًا عدد الجيش سأله رسول الله e عن عدد الإبل التي ينحرونها كل يوم وعندما علم عدد الإبل استطاع أن يحدد - على وجه التقريب - عدد الجيش المهاجم. وبذلك يكون الرسول e قد استخدم المعلومة المتوسطة - وهي عدد الإبل - لاستشراف معلومة غائبة - وهي عدد المهاجمين.

وهكذا نرى أن الاستقراء الإحصائي موجود في التراث الإسلامي منذ البدايات المبكرة للرسالة الإسلامية. فما بالنا اليوم ونحن في عصر الثورة المعلوماتية نفتقد أبسط المعلومات عن أهم القضايا التي تواجهها أمتنا؛ بل نفتقد ثقافة المعلومات. إذ ليس من ثقافة بيئتنا استخدام المعلومات. وبذلك يكون التحول إلى المعلوماتية أمر في غاية الأهمية للانتقال من حالة الصحوة إلى حالة اليقظة.

نحن إذًا أمام قضيتين أو معضلتين كبيرتين: أولهما معضلة متعلقة بمراكز البحوث وآلية توصيل المعلومات للمستفيدين، والمعضلة الثانية تتمثل في عقلية المستفيدين التي قد تجد المعلومة ولا تستفيد منها، كما أنها ليست مدربة على اتخاذ القرار بناء على المعلومات المتوفرة.

التحديات الكبرى أمام التطوير

مراكز البحوث وآلية توصيل المعلومات للمستفيدين

عقلية المستفيدين ونصيبهم من التدريب والإعداد

فلتكن البداية من مشروع قائد أو منطقة مهمة.. تشحذ الطاقات.. وتدرب الكوادر.. وتوفر المعلومات والإحصائيات.. لتستخدم بعد ذلك في المشاريع الثانية

المشروع القائد

ويعتقد كثير من الناس أن التخطيط في حالة غياب معلومات شاملة هو عملية مستحيلة، ونرجع في ذلك إلى كتاب عبد العزيز العجمي والآخرين سنة 1983 في مقدمة التنمية والتخطيط حيث يقول:".. أن كثيرًا من الدول تعمل على إيجاد مشروع قائد، مشروع يطلق بقية الطاقات، ويوفر الإحصائيات عن منطقة مهمة من مناطق العمل، وبعد ذلك يخلق هذا المشروع المشاريع الثانية من الاعتماد على النمطية والإحصائية..". وكذلك يمكن اعتماد مثل ذلك في المشروع الإسلامي النهضوي الضخم. فتكون البداية من مشروع قائد أو منطقة مهمة، تشحذ الطاقات، وتدرب الكوادر، وتوفر المعلومات والإحصائيات التي تستخدم بعد ذلك في المشاريع الثانية.

الملفات الكبرى في المشروع الإسلامي

يشمل الملف السياسي قضيتين أساسيتين هما: الاستعمار بكل تجلياته والفرقة والحزبية والتشتت

هناك فرق واضح بين الأحزاب كجزء من التعددية السياسية وبين الحزبية الممقوتة القائمة على التعصب

ويحتاج قادة وطلاب النهضة المعاصرون أن ينظموا في عقولهم الخارطة الكبيرة للملفات الأساسية ابتداءً من غير تفصيلات، ثم يُدخِلوا بعد ذلك تفصيلات وعناوين بسيطة يرون أن هذه الملفات تحتوي عليها. ومن كبرى هذه الملفات في عالمنا الإسلامي:

أولًا: الملف السياسي:

يشمل الملف السياسي في مجتمعاتنا اليوم قضيتين أساسيتين، القضية الأولى هي قضية الاستعمار أو الهيمنة بكل تجلياتها السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والاجتماعية. والقضية الثانية هي حالة التشتت وعدم الرغبة في التعاون والحزبية والفرقة، فالحكومات في جانب والأحزاب في جانب والمنظمات في جانب والتجمعات في جانب والمستقلين في جانب. ولابد من إيجاد قاسم مشترك بين المخلصين في كل هذه المناحي لإيجاد قاعدة من التعاون العام لاستنهاض هذه المجتمعات.

وهناك فرق واضح بين الأحزاب كجزء من التعددية السياسية التي تتيح للجميع أن يصلوا لأهدافهم من أجل خدمة أمتهم بالطريقة التي يؤمنون بها، وتُمَكِّن شرائح المجتمع من التعبير عن رغباتها ومعتقداتها بطريقة منظمة وفعالة، وبين الحزبية التي يتعصب فيها كل فرد لحزبه بينما ينظر بتعالٍ للآخرين.

وإذا كانت الحرية والمساواة والعمل بروح الفريق الواحد في خدمة المجتمع محمودة - وهي ما عليه الأحزاب - فإن الحزبية مذمومة تشيع الأحقاد والبغضاء بين الناس.

أما الأيديولوجيات على اختلافها وتنوعها فإسقاطها بالكامل على أرض الواقع أمر مستحيل وغير ممكن عمليًا؛ بل ويؤدي إلى الاضطراب والاقتتال بين معتنقيها. ولكن تبقى الكلمة السواء التي يمكن أن يلتف ويتكاتف حولها الجميع، لتشكل قاسمًا إنسانيًا مشتركًا لكل الموجودين في ساحة الفعل في المجتمعات الإسلامية بشكل عام، وتبقى الأيديولوجيات

أساس المجتمعات هي عملية التعايش والتراضي

لمعتنقيها يبشرون بها ويدعون إليها. فإذا ما اختارت الجماهير أحد الأيديولوجيات وصوتت لها أمكن لمعتنقيها أن يطبقوا شيئًا من أفكارها برضا الناس وبقدر ما تسمح به المجتمعات. لتبقى عملية التراضي والتعايش هي الأساس في هذه المجتمعات.

خلاصة القول أن الملف السياسي عندنا يحتوي على قضيتين كبيرتين هما الاستعمار وتجلياته الأخرى والحزبية وما يتفرع عنها من شقاق وصراع.

الملف السياسي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت