فهرس الكتاب

الصفحة 2176 من 18580

(ت) , وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ" [1]

الشرح [2]

(1) (ت) 1457 , (جة) 2563 , انظر صَحِيح الْجَامِع: 1552 , صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 2417

(2) قَالَ الطِّيبِيُّ أَضَافَ"أَفْعَلَ"إِلَى"مَا", وَهِيَ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ , لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اِسْتَقْصَى الْأَشْيَاءَ الْمُخَوَّفَ مِنْهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ , لَمْ يُوجَدْ أَخْوَفُ مِنْ فِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ. تحفة الأحوذي - (4/ 95)

وَقَدْ سَمَّى اللهُ اللِّواط: فَاحِشَةً , وَخَبِيثَةً , وَهُوَ مِنْ فِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ , وَقَدْ قَصَّ اللهُ - عز وجل - عَلَيْنَا فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ قِصَّتَهُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ , تَحْذِيرًا لَنَا مِنْ أَنْ نَسْلُكَ سَبِيلَهُمْ , فَيُصِيبَنَا مَا أَصَابَهُمْ , قَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} أَيْ: أَمَرَ اللهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ بِأَنْ يَقْلَعَ قُرَاهُمْ مِنْ أَصْلِهَا , فَاقْتَلَعَهَا وَصَعِدَ بِهَا عَلَى خَافِقَةٍ مِنْ جَنَاحِهِ , إلَى أَنْ سَمِعَ أَهْلُ سَمَاءِ الدُّنْيَا أَصْوَاتَ حَيَوَانَاتِهِمْ , ثُمَّ قَلَبَهَا بِهِمْ , وقَالَ تَعَالَى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} أَيْ: مِنْ طِينٍ مُحَرَّقٍ بِالنَّارِ {مَنْضُودٍ} أَيْ: مُتَتَابِعٍ يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضًا {مُسَوَّمَةً} أَيْ: مَكْتُوبًا عَلَى كُلٍّ مِنْهَا اسْمَ مَنْ يُصِيبُهُ , أَوْ مُعَلَّمَةً بِعَلَامَةٍ يُعْلَمُ بِهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حِجَارَةِ الدُّنْيَا.

{عِنْدَ رَبِّكَ} أَيْ: فِي خَزَائِنِهِ الَّتِي لَا يُتَصَرَّفُ فِيهَا إلَّا بِإِذْنِهِ.

{وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} أَيْ: وَمَا مَا هِيَ بِبَعِيدٍ مِنْ ظَالِمِي هَذِهِ الْأُمَّةِ إذَا فَعَلُوا فِعْلَهُمْ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مَا حَلَّ بِأُولَئِكَ مِنْ الْعَذَابِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {أَتَأتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ , وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ , بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} أَيْ: مُتَعَدُّونَ مُجَاوِزُونَ الْحَلَالَ إلَى الْحَرَامِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَنَجَّيْنَاهُ} أَيْ: لُوطًا.

{مِنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ} فَأَعْظَمُ خَبَائِثِهِمْ إتْيَانُ الذُّكُورِ فِي أَدْبَارِهِمْ بِحَضْرَةِ بَعْضِهِمْ , وَلَمْ يَجْمَعْ اللهُ تَعَالَى عَلَى أُمَّةٍ مِنْ الْعَذَابِ مَا جَمَعَ عَلَى قَوْمِ لُوطٍ , فَإِنَّهُ طَمَسَ أَبْصَارَهُمْ , وَسَوَّدَ وُجُوهَهُمْ , وَأَمَرَ جِبْرِيلَ بِقَلْعِ قُرَاهُمْ مِنْ أَصْلِهَا ثُمَّ يَقْلِبَهَا لِيَصِيرَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا , ثُمَّ خَسَفَ بِهِمْ , ثُمَّ أَمْطَرَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ مِنْ سِجِّيلٍ.

وَأَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى قَتْلِ فَاعِلِ ذَلِكَ, وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ قَتْلِهِ كَمَا يَأتِي.

وَقَالَ بَعْضُ العلماء: النَّظَرُ بِالشَّهْوَةِ إلَى الْمَرْأَةِ وَالْأَمْرَدِ زِنًا كَمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ:"زِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ , وَزِنَا اللِّسَانِ النُّطْقُ , وَزِنَا الْيَدِ الْبَطْشُ وَزِنَا الرِّجْلِ الْخَطْوُ , وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى , وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ", وَلِأَجْلِ ذَلِكَ بَالَغَ الصَّالِحُونَ فِي الْإِعْرَاضِ عَنْ الْمُرْدِ , وَعَنْ النَّظَرِ إلَيْهِمْ , وَعَنْ مُخَالَطَتِهِمْ وَمُجَالَسَتِهِمْ.

وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ: لَا تُجَالِسْ أَوْلَادَ الْأَغْنِيَاءِ , فَإِنَّ لَهُمْ صُوَرًا كَصُوَرِ الْعَذَارَى , وَهُمْ أَشَدُّ فِتْنَةً مِنْ النِّسَاءِ.

وَقَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ: مَا أَنَا بِأَخْوَفَ عَلَى الشَّابِّ النَّاسِكِ مِنْ سَبُعٍ ضَارٍ , مِنْ الْغُلَامِ الْأَمْرَدِ يَقْعُدُ إلَيْهِ.

وَحَرَّمَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْخَلْوَةَ بِالْأَمْرَدِ فِي نَحْوِ بَيْتٍ أَوْ دُكَّانٍ , كَالْمَرْأَةِ , لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم: {مَا خَلَا رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّا دَخَلَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُمَا} .

بَلْ فِي الْمُرْدِ مَنْ يَفُوقُ النِّسَاءَ بِحُسْنِهِ , فَالْفِتْنَةُ بِهِ أَعْظَمُ , وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ فِي حَقِّهِ مِنْ الشُّهْرَةِ مَا لَا يُمْكِنُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ , وَيَتَسَهَّلُ فِي حَقِّهِ مِنْ طُرُقِ الرِّيبَةِ وَالشَّرِّ مَا لَا يَتَيَسَّرُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ , فَهُوَ بِالتَّحْرِيمِ أَوْلَى.

قَالَ الْبَغَوِيّ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي حَدِّ اللُّوطِيِّ , فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ حَدَّ الْفَاعِلِ حَدُّ الزِّنَا , إِنْ كَانَ مُحْصَنًا يُرْجَمُ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا يُجْلَدُ مِائَةً , وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ , وَعَطَاءٍ , وَالْحَسَنِ , وَقَتَادَةَ , وَالنَّخَعِيِّ , وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ , وَالْأَوْزَاعِيُّ , وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.

وَعَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ جَلْدُ مِائَةٍ , وَتَغْرِيبُ عَامٍ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً , مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ.

وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ اللُّوطِيَّ يُرْجَمُ , وَلَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ , رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ , وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ , وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. أ. هـ كلام البغوي.

ولَا نَجِدُ حَيَوَانًا ذَكَرًا يَنْكِحُ مِثْلَهُ , فَنَاهِيكَ بِرَذِيلَةٍ تَعَفَّفَتْ عَنْهَا الْحَمِيرُ , فَكَيْفَ يَلِيقُ فِعْلُهَا بِمَنْ هُوَ فِي صُورَةِ رَئِيسٍ أَوْ كَبِيرٍ , كَلَّا بَلْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْ قَذَرِهِ , وَأَشْأَمُ مِنْ خَبَرِهِ , وَأَنْتَنُ مِنْ الْجِيَفِ , وَأَحَقُّ بِالشَّرَرِ وَالسَّرَفِ , وَأَخُو الْخِزْيِ وَالْمَهَانَةِ , وَخَائِنُ عَهْدِ اللهِ , وَمَا لَهُ عِنْدَهُ مِنْ الْأَمَانَةِ , فَبُعْدًا لَهُ وَسُحْقًا , وَهَلَاكًا فِي جَهَنَّمَ وَحَرْقًا. الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/ 230)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت