بِالطَّيِّبِ (1) فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى وُجُوبِ دَفْعِ الْمَال إِلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، إِلاَّ أَنَّهُ مَنَعَ عَنْهُ مَالَهُ قَبْل هَذِهِ الْمُدَّةِ بِالإِْجْمَاعِ وَلاَ إِجْمَاعَ هُنَا فَيَجِبُ دَفْعُ الْمَال بِالنَّصِّ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَتِيمًا لِقُرْبِهِ مِنَ الْبُلُوغِ؛ وَلأَِنَّ أَوَّل أَحْوَال الْبُلُوغِ قَدْ لاَ يُفَارِقُهُ السَّفَهُ بِاعْتِبَارِ أَثَرِ الصِّبَا فَقَدَّرْنَاهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً؛ لأَِنَّهُ حَال كَمَال لُبِّهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: يَنْتَهِي (يَتِمُّ) لُبُّ الرَّجُل إِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَقَال أَهْل الطَّبَائِعِ: مَنْ بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً فَقَدْ بَلَغَ رُشْدَهُ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ سِنًّا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصِيرَ جَدًّا؛ لأَِنَّ أَدْنَى مُدَّةٍ يَبْلُغُ فِيهَا الْغُلاَمُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، فَيُولَدُ لَهُ وَلَدٌ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ الْوَلَدُ يَبْلُغُ فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فَيُولَدُ لَهُ وَلَدٌ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَقَدْ صَارَ بِذَلِكَ جَدًّا؛ وَلأَِنَّ مَنْعَ الْمَال عَنْهُ عَلَى سَبِيل التَّأْدِيبِ عُقُوبَةٌ عَلَيْهِ، وَالاِشْتِغَال بِالتَّأْدِيبِ عِنْدَ رَجَاءِ التَّأَدُّبِ، فَإِذَا بَلَغَ هَذِهِ السِّنَّ فَقَدِ انْقَطَعَ رَجَاءُ التَّأَدُّبِ فَلاَ مَعْنَى لِمَنْعِ الْمَال بَعْدَهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا حُرٌّ بَالِغٌ عَاقِلٌ مُكَلَّفٌ فَلاَ يُحْجَرُ عَلَيْهِ كَالرَّشِيدِ (2) .
(1) سورة النساء / 2.
(2) البناية 8 / 236 ط. الفكر، تبيين الحقائق 5 / 195 ط. بولاق، روح المعاني 4 / 206 ط. المنيرية، أحكام القرآن للجصاص 2 / 76 ط. البهية.