المسألة الثالثة: التعريض بالسؤال دون التصريح.
فقد استحيا أبو هريرة رضي الله عنه أن يقول لـ أبي بكر: أطعمني هذه الليلة إني جائع، ولم يقل لـ عمر، ولكنه عرض ولم يصرح، ولمح ولم يوجه الخطاب، وهذا من عفته وحيائه، ولذلك كان العرب يستحيون من السؤال، ومن مروءة الرجل ألاَّ يسأل إلا في حاجة ملحة؛ لأن الذين يسألون الناس ولهم ما يغنيهم يأتون يوم القيامة ولا لحم على وجوههم بل عظام فقط، {إن الذي يسأل الناس وله غنى يغنيه يأتي يوم القيامة ووجهه خدوش من المسألة} وفي رواية الزبير {يأتي وليس في وجهه مزعة لحم} فاستحيا أن يسأل وأن يعرض بنفسه فعرض بالكلام، وهذا أسلوب وارد عند العرب.
يقول ابن كثير وغيره من أهل العلم والسير: كان قيس بن سعد بن عبادة جالسًا في مجلس، وهو من سادات العرب ومن أغنى الأغنياء ومن أجواد الإسلام، فدخلت عليه عجوز فقالت: يا قيس! قال: نعم.
قالت: أشكو إليك قلة الفئران في بيتي.
ليس في بيتي فئران، قال: والله لأملأن بيتك فئرانًا، ثم دخل بيته وأرسل جمالًا محملة من تمر وحبوب وزبيب.
ثم عادت بعد وقت فسلمت عليه ودعت له وقالت: لقد امتلأ بيتي فئرانًا.
فقال الناس لـ قيس بن سعد: ما هذا الخطاب؟ قال: إنها شكت من قلة الفئران والفئران لا تأتي إلا مع الطعام ومع الغنى، ومعناه الفقر، قال: فأعطيناها ما فتح الله علينا، فأتت تخبرنا أن في بيتها فئرانًا.
وهذا من التعريض.
وذكر صاحب العقد وصاحب عيون الأخبار أن عليًا رضي الله عنه دخل عليه رجل فاحمر وجه الرجل، فقال علي: مالك أخجلت؟ قال: في نفسي مسألة وأستحي أن أسألك عنها.
قال علي: اكتبها على الأرض، فكتبها بأصبعه، فقضاها علي رضي الله عنه، فقال الرجل:
كسوتني حلة تبلى محاسنها لأكسونك من حسن الثنا حللًا
يقول: أنت كسوتني حلة ولكنها سوف تبلى في الدنيا، لكن والله لألبسنك من الثناء العاطر والدعاء المسموع ما لا يبلو أبدًا.
ولذلك يقول إبراهيم لما كان كريمًا مضيافًا للناس: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ} [الشعراء:84] قالوا: هو الذكر الحسن.
وإنما المرء حديث بعده فكن حديثًا حسنًا لمن وعى