في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: {كان في من كان قبلكم رجلٌ من بني إسرائيل أسرف على نفسه} أي: وقع في الإسراف في الذنوب، بقي معه التوحيد والإيمان، أما لو كان مشركًا فهذا خالد مخلد في النار، لن يدخله الله الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، أبدًا حرامٌ عليه الجنة، لكن وقع في ذنوب، فلما حضرته الوفاة، وكثير من الناس كما يقول الكتبة العصريون: لا يتذكرون الله، في غفلة وسكار وفي خمار حتى يصرعون في مصرع الموت، ثم يستفيقون، ونقلت لنا أخبار أن كثيرًا من الناس لما أتاهم اليقين وأتاهم الموت، استفاقوا قبل سكرات الموت ثم أخذوا يبكون، قالوا: مالكم؟ قالوا: فعلنا، وفعلنا، وفعلنا، فأتى الحساب، قال: الناس في سكار حتى يحضرهم الموت فيستفيقون، ولذلك يقول عبد الحق الإشبيلي في كتابه العاقبة: المعتصم الخليفة العباسي لما حضرته الوفاة، بكى بكاءً طويلًا لا يعلمه إلا الله، فقالوا: مالك؟ قال: كم عمري؟ قالوا: عمرك ثمان وأربعون.
قال: أموت اليوم؟ وكان في سكرات الموت- قالوا: تموت.
قال: والله لو أدري أن عمري قصير ما فعلت ما فعلت؛ سفك الدماء، وفعل ما فعل وأمره عند الله، يقول: لا أدري أني سوف أموت الآن، فالناس كثير منهم لا يستفيق إلا في سكرات الموت، وهذا حدث لـ عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي لما حضرته الوفاة قام يتقلب ويبكي ويقول: يا ليتني كنت غسالًا، يا ليتني ما عرفت الخلافة، يا ليتني كنت في البادية، فسمع سعيد بن المسيب -أحد الزهاد والعباد والعلماء- قال: [[الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا وقت الموت ولا نفر إليهم] ].
فالمحاسبة في الدنيا ليست عند سكرات الموت، بل على الإنسان أن يراجع حسابه قبل أن يأتيه الموت؛ قال تعالى: {وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} [الرعد:22] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114] .
{فلما حضرت هذا الرجل الوفاة استعرض أبناءه فقال: كيف أنا لكم؟ قالوا: خير الآباء} وهذا فعل بعض الناس، تجده مع أبنائه وزوجته ومع جيرانه من أحسن الناس خلقًا، لينًا، سهلًا، بشوشًا، صاحب هداية، وصدقات، وبر، ومعروف، وكرم، يعزم هذا، ويذبح لهذا، ويضيف هذا، ويخدم هذا بماله وبسيارته؛ لكنه فاجر مع الله، لا يصلي في المسجد، ولا يعرف القرآن، ولا يعرف الانصياع إلى كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، يا سبحان الله! من أولى بالإكرام؟ أأهلك، وزوجتك، وجيرانك، أم الحي القيوم؟! الأولى برد الجميل الذي خلقك وأعطاك ما تتمتع به، وهذا كثير في الناس؛ فإنهم عندهم حسن خلق لكنهم لا يعرفون المساجد، ولا الاستقامة ولا الدين، لكنك لو طلبته في شيء سكب لك دمه في إناء من الحب، أما أن تقوده إلى المسجد فكأنك تجرجره بسلسلة محمية بنار، ومقلب القلوب هو الواحد القهار، فلو أراد أن يكمل الله هذا العبد؛ لأعطاه من الإيمان ما يجعله محبوبًا عنده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وعند الناس.
فهذا الرجل لما حضرته الوفاة قال: {يا أبنائي! أيُّ أبٍ لكم؟ قالوا: من خيرة الآباء، قال: فإني ما فعلت مع الله جميلًا -كنت أتظاهر لكم وللناس بالحسن وإذا خلوت مع الله عز وجل انتهكت محارمه- فإذا أنا مت -إذا حضرتني الوفاة- فاجمعوا لي حطبًا، وأشعلوا لي نارًا} .
هذا في الصحيحين، وتكلم عنه ابن تيمية في الرسائل والمسائل والرد على البكري والمسائل الماردينية، وهو من أصول المعتقد، فيه مسائل لا بد أن نقف عندها.
قال: {فاجمعوا لي حطبًا، فإذا جمعتم لي حطبًا فأشعلوه في النار، ثم أحرقوني، ثم اسحقوني، ظن أنه سوف يفوت على الحي القيوم- قال: فإذا سحقتموني فذروني في يومٍ فيه ريح} -يعني: ليس أي يوم، لكن يوم فيه ريح قوية هوجاء تنثر جسمي في كل مكان، أوقدوا له النار، واشعلوها، ثم أحرقوه حتى أصبح حممًا كالفحم، ثم سحقوه فلما سحقوه عرضوه للريح فأخذته في كل مكان -لكن الذي بدأه أول مرة، والذي إذا أراد أن يقول له: كن، فيكون، {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان:1 - 3] فجمعها الله بكلمة كن، ما قال للملائكة: اجمعوا لنا رميم هذا العبد، وأحضروه بعد ساعتين، إنما قال: كن رجلًا، أي: مثلما كان فكان كما قال تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل:40] فإذا الرجل أمامه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وقد حاسبه وتكلم معه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، والله يتكلم بما شاء متى شاء سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، قال: يا عبدي! ما حملك على ما صنعت؟ سبحان الله! يقرر الله العبد، ويحاسبه، ويكلمه، وكما جاء في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم {ما منكم من أحدٍ إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان} سوف يكلمك الله ليس بينك وبينه ترجمان، ويقول: {أما فعلت كذا وكذا يوم كذا كذا، أما فعلت كذا وكذا يوم كذا وكذا} فإن كنت من أهل الستر -نسأل الله أن يسترنا وإياكم- قال الله: {لقد سترتها لك في الدنيا وغفرتها لك اليوم} وأما إن كان من المجاهرين، المتعدين، المنتهكين للحدود، المنتهكين للحرمات، فهذا أمره لله عز وجل.
قال: يا عبدي! ما حملك على ما صنعت؟ -وسدده الله للجواب، الجواب كان سليمًا جيدًا- قال: يا رب! خفتك وخشيت ذنوبي.
فقال الله: يا ملائكتي! أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة وهذا الرجل قصته عجيبة، قال ابن تيمية: قد شك في القدرة؛ لأنه ظن أن الله لن يجمعه، لكن توبته كانت كبيرة عظيمة طغت على هذا الشك وعلى تلك الذنوب التي زحفت.
والذي نطلبه أن نعود إلى الله عز وجل عودًا حميدًا، أما أن نأتي ونستعرض ذنوبنا وخطايانا فنحن في ستر الله عز وجل، ونعلن عجزنا وتقصيرنا وما منا شيء أبدًا، ومن تصدق أو صلى أو صام فإنما يفعل لنفسه، ومن أعرض عن الله، فالله غني عنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
فهذا هو الرجل الذي ذكره عليه الصلاة والسلام، وتلك هي المرأة التي عرضت نفسها على رسول الله عليه الصلاة والسلام.