فهرس الكتاب

الصفحة 275 من 10391

ويصلح أبو ذر رضي الله عنه، وتستمر به الحياة، ويولي الرسول عليه الصلاة والسلام بعض الصحابة الإمارة والمنصب، وبعض الناس ولو كان صالحًا لو رعى شاتين ضيعها، حتى الدبابيس ربما تضيع من مكتبه، ويقول عمر: [[اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة] ].

فلابد مع الصلاح من القوة والفهم والإدراك، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يعين الناس حسب طاقاتهم فهو الذي ربى الصحابة، ويعرف أين يصلح كل واحد منهم، فهذا خالد بن الوليد لو جعله صلى الله عليه وسلم فرضيًا فلن يعرف كيف يقسم ما سمعنا أن خالد بن الوليد يقسم الفرائض، فهو لا يعرف نصيب الجدة ولا الخالة ولا العمة، هو لا يعرف إلا قطع الرءوس، وزيد يقسم للموتى.

إذا قطع الرأس يقول: خالد: أنتم تصرفوا في الميراث، أنا علي أقطع لكم الرءوس، وأنتم تصرفوا في المواريث حفظكم الله، فهو رئيس قسم الجهاد، وهو متخصص في ضرب الأعناق في سبيل الله.

تسعون معركة مرت محجلة من بعد عشر بنان الفتح يحصيها

وخالد في سبيل الله مشعلها وخالد في سبيل الله مذكيها

ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها

هذا خالد.

حسان بن ثابت، ماذا يجيد؟

هو لا يفسر القرآن، لكن عنده قوافي، فهو في قسم الأدب، يدخل الجنة بالأدب، يقرب إليه صلى الله عليه وسلم المنبر، يقول: {اهجهم وروح القدس معك} .

زيد بن ثابت {أفرضكم زيد} {معاذ: أعلم أمتي بالحلال والحرام} أبي {أقرأ أمتي أبي} سيد القراء أبي، هكذا التخصصات، هذا يجب أن يعيه المربون والأساتذة، لا تجعل طالبًا خطيبًا، وهو لا يستطيع أن يقول كلمتين، فلما رأى أبو ذر رسول الله صلى الله عليه وسلم يولي بعض الصحابة ولا يوليه ظن أن الأمر حسب الأفضلية، فذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله، وليت فلانًا، ووليت فلانًا، أريد أن توليني، أي يريد مرسومًا في الصباح يصدر مبكرًا أنه: قد وليناه كذا وكذا، فتبسم صلى الله عليه وسلم، فهو يعرف الطاقات، ويعرف الاستعدادات، ويعرف الناس، ونعرف أن أبا ذر أمين وصادق، لكن المسألة يراد لها تخصصات، فتبسم صلى الله عليه وسلم وضرب على كتفه، قال: {إنك امرؤ ضعيف، وإنها أمانة، وإنها خزي وندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة} .

هذه الإمارة دائمًا: (نعمت المرضعة، وبئست الفاطمة) كيف؟

أول ما يتولى الإنسان، وأول ما يأتيه مرسوم التعيين، يكون في عيد، والحارات تشتبك باللمبات الكهربائية، والبرقيات: (نهنئكم بمنصبكم الجديد، فسيروا على بركة الله باليمن والمسرات) وبعد سنة يأتي مرسوم العزل، فيجلس يبكي في غرفة، والوالدة في غرفة، وزوجته في غرفة، والأطفال في غرفة والأصدقاء تفرقوا، بئست الفاطمة، هذه مناصب الدنيا، لأن الذي يؤتيها بشر، وينزعها بشر، لكن الله عز وجل إذا آتى الإنسان لا ينزعه إلا هو.

يقول إبراهيم بن أدهم: إنا في عيش لو علم به الملوك لجالدونا عليه بالسيوف.

كان إبراهيم بن أدهم ينام على الرصيف، لكن عنده إيمان وقوة واتصال بالله عز وجل، مثلما فعل ابن تيمية: يوم دخل على ابن قطلوبك -السلطان السلجوقي- قال: أعلن الجهاد، وكان سلطانًا مسلمًا لكن يشرب الخمر، اجتاح التتار العالم الإسلامي فدخل ابن تيمية على السلطان السلجوقي، يقول له: أعلن الجهاد الآن.

قال: والله لتعلننَّ الجهاد، قاتلهم بالسيوف الشرعية المحمدية، أعلن الجهاد.

قال: يهزموننا.

قال: والله لننتصرن.

قال: قل إن شاء الله.

قال: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا.

قال: يـ ابن تيمية سامحنا وددنا لو زرناك في بيتك.

قال: دعنا من كدراتك يـ ابن قطلوبك، كان موسى يزور فرعون في اليوم مرارًا، ثم قال: سمعنا أنك تريد ملكنا، فضحك ابن تيمية وقال: ملكك؟!

قال: نعم.

قال: والله ما ملكك وملك أجدادك يساوي عندي فلسًا، إني أريد جنة عرضها السماوات والأرض.

خذوا كل دنياكم واتركوا لي فؤادي حرًا طليقًا غريبا

فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيدًا سليبا

الشاهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما ولاه منصبًا، وقال له: أنت ضعيف.

قالوا: ضعيف الرأي رضي الله عنه، قد يكون الإنسان صالحًا، لكن تختلط عليه الأمور، أحيانًا قد تغيب من مكتبك وتأتي بأحد الموظفين، وإن كان صالحًا يصوم ثلاثة من كل شهر، يصلي الضحى، لكن يضيع عليك المعاملات، يجعلها حيص بيص وهو صالح، لكن الأمور لابد أن تعطى إلى أهلها الذين يدركونها، وهذا أمر معلوم في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم.

في نص الحديث عند مسلم وأحمد: {يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم} .

كان أبو ذر حتى في الإمامة لا يتقدم، يقول: لا يتولى على اثنين، وما كان يتولى في السفر، يكره الإمارة؛ لأنها كُلفة ولأنها تكثر أوجاع الرأس، ولأنها حمل للمغرم.

كان عمر بن عبد العزيز وهو أمير المؤمنين لا ينام بعض الليالي، فتقول زوجته فاطمة: لم لا تنام يا أمير المؤمنين؟

قال: كيف أنام وأمة محمد في عليه الصلاة والسلام في عنقي.

أي ففيهم الفقير، والمسكين، والأرملة، والمحتاج فكيف أنام والله يسألني يوم القيامة عنهم؟

وكان عمر يبكي ويقول: يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت شجرة، يا ليتني ما عرفت الحياة، يا ليتني ما توليت الخلافة.

وعند أحمد في المسند: {ما من والٍ يلي إلا غُل يوم القيامة، فإن عدل أطلق، وإن لم يعدل دهده على وجهه في النار} فالرسول صلى الله عليه وسلم حذر أبا ذر بأنه لا يصلح لهذا ونهاه , وأبعده عن هذا، فرضي الله عنه وأرضاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت