استمر عليه الصلاة والسلام سائرًا إلى المدينة، إلى الأنصار إلى أحباب الله إلى كتيبة الإسلام، أخذ عليه الصلاة والسلام عشرة أيام في السفر يقتلع أقدامه من حرارة الصحراء، وقد امتلأ جوعًا، وتعبًا، وظمأ، وسهادًا، ومشقة، لكن كلها في سبيل الله، كان الأنصار يخرجون مع الظهيرة جميعًا عن بكرة أبيهم ليستقبلوا أعظم فاتح عرفه التاريخ، وأعظم رجل مشى على الأرض، أما الرجال فيخرجون السيوف والرماح ليحيون الرسول المنتظر، وأما النساء فكن يصعدن على أسطحة المنازل علهن أن يظفرن بنظرة ولو واحدة إلى وجه العظيم، وأما الأطفال فكانوا ينتشرون كالدرر والجواهر على الأرصفة ينشدون ويرددون:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة مرحبًا يا خير داع
وفي ظهيرة من الأيام الخالدة التي لا تنسى أبدًا وإذا بالصائح على أسطحة المدينة قدم الرسول عليه الصلاة والسلام، فخر الأنصار بسيوفهم كأنهم خرجوا من المقابر، بعثوا من جديد وسال الحب في دمائهم من جديد، وعادت لهم الحياة من جديد، يقول أحد الناس في الرسول عليه الصلاة والسلام:
سافرت نفسه الكريمة فيضًا فالليالي محسودة بالليالي
وعلى يثرب أهازيج نصر طلع البدر نظمة الأطفال
واستفاقت على صباح جديد ملء آذانها أذان بلال
وصل عليه الصلاة والسلام على ناقته يقول أنس: [[والله الذي لا إله إلا هو ما كنت أظن أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت الأنصار يبكون من الفرح لما قدم الرسول عليه الصلاة والسلام] ].
طفح السرور علي حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني