وأول من قتل الموءودة قيس بن عاصم المنقري التميمي، وهو من سادات العرب، وكان حليمًا كريمًا، لكنه خشي العار كما زعم، فأتته ابنة فقتلها وكسر عنقها ودسها في التراب: {يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} [النحل:59] فدسها في التراب، وقد رزقه الله الإسلام فيما بعد، وكان سيدًا عجيبًا، حتى يروى في السيرة أنه صلى الله عليه وسلم لما أتاه قيس بن عاصم قال: {هذا سيد أهل الوبر} وكان حليمًا جد حليم، وسيدًا مطاعًا، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: {يا رسول الله! رق عظمي، وشاب رأسي، ودنا أجلي؛ فعظني، قال: يا قيس! إن مع القوة ضعفًا، وإن مع الغنى فقرًا، وإن لكل حسنة ثوابًا، ولكل سيئة عقابًا، يا قيس! إن معك قرينًا يدفن معك وأنت ميت، وتدفن معه وهو حي، وهو عملك} فبكى قيس بن عاصم، وهو المقصود بقول القائل:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من ألبسته منك نعمةً إذا زار عن شحط بلادك سلما
وما كان قيس موته موت واحد ولكنه بنيان قوم تهدما
وقد كان قيس -واسمحوا لي أن أستطرد فيه- كان من أحلم العرب، أي: واسع البال، كريمًا، يكظم الغيظ، ويعفو، قيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم، قالوا: كيف؟ قال: كنت جالسًا معه في مجالس بني تميم، وقد اجتمع شيوخ بني تميم، وقد احتبى -والحبوة: أن تلف كساء على ركبتيك وأن تجلس القرفصاء- قال: فأتت امرأة فدخلت عليه، وقالت: ابنك مقتول! -ابن قيس بن عاصم كان يلعب مع الأطفال، فرماه أحدهم بحجر فإذا دماؤه في الأرض - قالت: ابنك مقتول! قال: من قتله؟ قالت: ابن فلانة، قالوا: فو الله ما قطع قصته -كان في قصة، فحدثهم بها حتى أتمها- ولا حل حبوته، ثم قال: اغسلوا ابني وكفنوه وتعالوا به، فغسلوه وكفنوه وأتوا به، فقال: اذهبوا بمائة ناقة إلى أمه وأرضوها، فدفع الدية عن الجيران فهل بعد هذا حلم؟! وهل بعد هذا كرم؟!