فهرس الكتاب

الصفحة 5133 من 10391

الأمر العاشر: أنه ينبغي أن نتذكر حقوق المسلم على المسلم كإخوة وأحباء.

أليس من حقوق المسلم على المسلم أن ندعو له بظهر الغيب؟

هل دعا بعضنا لبعض بكثرة في ظهر الغيب حتى يصلح الله أحوالنا؟

لكن إذا سمعنا إنسانًا قد يخطئ قمنا عليه وخطأناه، لكن لو أننا في جنح ظلام الليل وفي ساعة السحر قلنا: يا رب، يا أحد، يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد اهده سبيل السلام، سدده، وفقه!

قال الشافعي:"ما جادلت أحدًا من المسلمين إلا أحببت أن يعلو علي بحجته -سبحان الله! إلى هذا المستوى؟! - لئلا يجد علي في نفسه."

لأن المغلوب دائمًا يجد في نفسه.

فالمسألة العاشرة: هل حفظ أحدنا هذه الحقوق؟

هل دعونا لإخواننا بظهر الغيب؟

هل دعونا لهم بالهداية والسداد؟

لو فعلنا ذلك لصلح الأمر، ثم هل ناصحناهم؟

هل كتبت رسالة رقيقة، تقطر دمعًا ورقةً وودًا: يا أخي في الله أخطأت في هذه المسألة، فما هو وجه خطئك؟

ولماذا قلت هذا؟ ونسب إليك أنك قلت هذا والله عز وجل يقول كذا وكذا، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا، فما هي حجتك؟ هنا يبدأ الحوار.

هل زرنا المخطئ في بيته فبينا له خطأه، ونسمع بأنفسنا وبآذاننا؟

إنني أسمع وإنكم تسمعون بعض الكلمات التي ما صحت، والله لقد سمعنا كلمات نسبت إلى العلماء، شوهت الصورة وشتتت كثيرًا من القلوب وأوجدت أحقادًا، فلما ذهبنا إلى ذلك العالم وقلنا له: اتق الله! كيف تقول كذا وكذا؟

قال: والذي لا إله إلا هو ما قلت هذا ولا فكرت به!!

فمن المسئول عن هذا؟

المسئول هو تعطيل مجالس الحوار والنقاش والسماع من الناس، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات:6] تندمون وتخسرون حين لا ينفع الندم.

والحقوق كثيرة منها الصفاء والود، إذا لقيت أخًا لك هل عانقته بحرارة؟ هل تبسمت في وجهه؟ يقول عليه الصلاة والسلام: {تبسمك في وجه أخيك صدقة} قال جرير بن عبد الله والحديث صحيح: {والله ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسم في وجهي} .

قيل لأحد العلماء: ما هو السحر الحلال؟ قال: تبسمك في وجوه الرجال.

لكن لماذا انقبض هنا وانبسط هنا؟!

لأمر في القلوب الله أعلم به، فالتبسم أمره عجيب! وهو يحبه الله عز وجل ورسوله خاصة للمؤمنين، وهو المطلوب أن يتبسم لهم، الذين يريدون الخير للإسلام والمسلمين.

أحد الشعراء يصف المتكبرين، يقول:

وجوههم من سواد الكبر عابسة كأنما أوردوا غصبًا إلى النار

هانوا على الله فاستاءت مناظرهم يا ويحهم من مناكيد وفجار

ليسوا كقوم إذا لاقيتهم عرضًا أهدوك من نورهم ما يتحف الساري

تروى وتشبع من سيماء طلعتهم بوصفهم ذكروك الواحد الباري

من تلق منهم تقل: لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري

شيخ الإسلام ابن تيمية لما تولى الناصر بن قلاوون، أحضره من السجن مكتفًا بالحديد، وكان أعداؤه جالسين أمامه.

أعداؤه الجالسون أمامه.

قال الناصر بن قلاوون: يـ ابن تيمية أفتني بسفك دماء هؤلاء، فوالله لأسفكن دماءهم اليوم.

الناصر بن قلاوون لا يريد الغضب لـ ابن تيمية بل يريد الانتقام لنفسه، لأن هؤلاء العلماء أفتوا أن بيعته باطلة، فيريد أدنى فرصة يدخل بها من طريق ابن تيمية حتى يقطع رءوسهم.

قال ابن تيمية: لا.

إن الله أمرنا أن نكون قائمين بالقسط، وهؤلاء أدخلوني السجن.

إي والله الذي سجن ابن تيمية هم هؤلاء الجلوس، ابن مخلوف، وآل السبكي وأمثالهم، وأضرابهم، رحمهم الله جميعًا وغفر الله لمن أساء من المسلمين إن أراد الخير.

فقال ابن تيمية: هؤلاء الذين أدخلوني السجن، ولكن هم علماء الأمة، وخيرهم أكثر من شرهم.

ليس كمن يُقَوِّم الناس بما فيهم من سوء ولو كان أقل من حسناتهم فعجب الناس لـ ابن تيمية!! قال ابن مخلوف: غفر الله لـ ابن تيمية، قدرنا عليه فحبسناه في الحديد، وقدر علينا وأخذ السيف بيده فعفا عنا.

الرسول عليه الصلاة والسلام دخل يوم الفتح، فأتي بـ أبي سفيان بن الحارث ابن عمه الذي قاتله في كل معركة، سبه بالقصائد النارية الحارة، فلما ظفر به أتى فوقف فوق رأسه بعد أن أخذ أطفاله يريد أن يخرج إلى الصحراء يموت هو وأطفاله جوعًا وعريًا وعطشًا، قال علي بن أبي طالب: يا أبا سفيان أخطأت، الرسول صلى الله عليه وسلم أرحم الناس، وأبرهم وأوصلهم، فعد إليه وسلم عليه بالنبوة، وقل له: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، كما قال إخوة يوسف ليوسف.

فأتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فسلم عليه، وقال له: يا رسول الله، تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين؛ فسالت دموعه صلى الله عليه وسلم -هذه دموع الصدق والحرارة- وقال: {لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} .

فصلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

هذه حقوق المسلم في المسألة العاشرة لابد أن يتنبه إليها كثيرًا، فإنه كثيرًا ما يُخْطَأ فيها، فإن من حقوق المسلم إذا استنصحك أن تنصحه، وإذا مرض أن تعوده، وإذا مات أن تتبع جنازته في الحقوق الستة التي ذكرت، وهذا ليس مجال بسطها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت