فهرس الكتاب

الصفحة 3077 من 10391

المسألة الرابعة: هيئة القعود: يقول عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري وغيره: {إني لا آكل متكئًا} قال الخطابي: يزعم كثير من أهل اللغة أن الاتكاء معناه الاعتماد، كما نعرف نحن الاتكاء على اليمنى أو على اليسرى، قال: وليس هذا كل المعنى، بل الاتكاء كذلك الذي يشمله الحديث هو الذي يتربع في جلسته إذا أراد أن يأكل فهذا متكئ، لكن لا أدري هل يوافق أهل العلم على كلام الخطابي؟ لأن الاتكاء إذا أطلق عرف أنه اعتماد الشخص على أحد جانبيه، وأما هذا ففيه معنىً مجازي، أو يدخله عموم الحديث.

إذًا فنهى صلى الله عليه وسلم عن الاتكاء، وأن يأكل العبد متكئًا، لماذا؟

قيل: لأن هذه الهيئة هيئة المتكبرين المتجبرين، وكذلك يلحق به الشراب، ألا يشرب العبد متكئًا، ولا يأكل متكئًا؛ لأن المتواضع يجلس ويحمد الله على هذه النعمة، أما الجبار المتهتك؛ فإنه يتكئ، ويغني وهو يأكل، لا يسمي ولا يحمد الله عز وجل ولا يذكر هذه النعم.

{دخلت امرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته يأكل وهو متمسكنٌ في هيئته، فقالت: انظروا له، يأكل كما يأكل العبد، ويجلس كما يجلس العبد، فقال: وهل هناك عبدٌ أعبد مني} فهو عبد الله ورسوله الذي عرف حقوق العبودية.

ولذلك دخل عليه أحد الناس -قيل: إنه ابن قيلة - يوم الفتح، فلما رأى الرسول عليه الصلاة والسلام، ورأى الحرس من الصحابة الأخيار قد سلوا السيوف على رأسه، ورأى الكتائب قد تدفقت كأنها أمواج البحر دخلت الحرم عشرة آلاف، أخذ هذا العربي يرتجف وترتعد يداه، ويكلم الرسول عليه الصلاة والسلام، فيقول عليه الصلاة والسلام: {هون عليك فإني ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة} يقول: أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد -والقديد: هو اللحم الذي يجز ثم يطبخ بالملح، ثم يعلق بالبيت ويبقى له أشهر ما يتعفن- فيقول: أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة.

نعم ابن امرأة كانت تأكل القديد في مكة، لكنه محرر أذهان البشرية من الخرافة والوثنية، وباني مجد هذه الأمة بفضل الله وبعونه، ومؤسس نور الإسلام عليه الصلاة والسلام.

هذه الهيئات نهى عنها صلى الله عليه وسلم، ويلحق بها هيئة المنبطح، فقد ورد في حديث فيه ضعف: {أنه نهى صلى الله عليه وسلم أن يأكل العبد منبطحًا على بطنه أو منقعرًا على ظهره} إلا من عذر كمرض أو عاهة أصابته فهذا عذره الله عز وجل حتى في الصلاة.

وأما في القيام فهل للعبد أن يأكل أو يشرب قائمًا أو وهو يمشي أم لا؟

يقول ابن عمر رضي الله عنه: {كنا نمشي ونحن نأكل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم} وفي لفظ: {كنا نأكل ونحن نمشي في عهده صلى الله عليه وسلم} لكن في صحيح مسلم عن قتادة عن أنس، قال: {نهى صلى الله عليه وسلم أن يشرب العبد واقفًا} قال قتادة لـ أنس: [[والأكل، قال: الأكل أخبث] ].

فما دام نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب واقفًا، فالأكل كذلك أولى أن ينهى عنه، لكن الشرب والأكل لأعذار، إما في زحمة أو في عجلة فلك ذلك، وأما في غير ذلك فلا يستصاغ، فالرسول صلى الله عليه وسلم شرب واقفًا كما في زمزم، قيل: لعذر الزحام، أو قيل: لعذر العجلة.

أما في غيرها فلا ينبغي، لكن إذا كنت مستعجلًا، أو في مكان لا يناسب الجلوس، أو كان في مكان ازدحم فيه الناس فلك أن تأكل واقفًا وتشرب واقفًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت