ومن الإيمان بالله عز وجل إيماننا باليوم الآخر: أن الله يجمعنا حفاة عراة غرلًا بُهْمًا كما قال: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الأنبياء:104] يعيدنا -سبحانه- فلا إله إلا الله من يوم ما أصعبه! ولا إله إلا الله من يوم ما أهوله! ولا إله إلا الله من يوم ما أشده! هو الطامة، والقارعة، والحاقة، والواقعة، والصاخة، وسماه الله بأسماء عديدة، يقول عالمكم رحمه الله الشيخ حافظ:
واستشفع الناس بأهل العزم في إراحة العباد من ذي الموقف
وليس فيهم من رسول نالها حتى يقول المصطفى أنا لها
وتؤمن أن قبل ذلك حياة برزخ، إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، فتعلم أن ما فعلت في الحياة تجده في هذا القبر، إن أصلحت وصليت وصمت وزكيت وراقبت الله وخشيته وتصدقت ووصلت رحمك وجيرانك وحجبت زوجك جعل الله قبرك عليك روضة من رياض الجنة، قال عالمكم:
والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران
إن يك خيرًا فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده
وإن يكن شرًا فما بعد أشدّ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ
وإن كانت الأخرى: أعرضت عن صلاة الجماعة، ما تعلمت الطهارة ولا الصلاة، أعرضت عن القرآن عن الحجاب عن تربية البيت عن رعاية الجار عن صلة الرحم عن بر الوالدين؛ فحفرة والله من حفر النيران، هم وغم وسجن وكرب ونكد.
ذكر أبو نعيم في الحلية وغيره أن مطرف بن عبد الله بن الشخير أحد الصالحين مر على المقبرة في الليل يسلم عليهم، قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم دعا لأهل القبور، فذهب فنام في بيته فرأى في المنام أهل القبور، فقالوا له: يا مطرف! والذي لا إله إلا هو إن الله يوسع علينا بدعائك قبورنا أسبوعًا كاملًا وينور الله علينا قبورنا بدعائك أسبوعًا، يا مطرف! تزود من لا إله إلا الله، فوالله ما وجدنا كلا إله إلا الله، يا مطرف! حيل بيننا وبين لا إله إلا الله، نريد أن نقول لا إله إلا الله فما نستطيع أن نقولها {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ} [سبأ:54] .
هنا اعمل فالعمل هنا، هنا دار البذل، هنا الصلاة والصيام والزكاة، أما هناك فحساب، يقول علي فيما علقه البخاري في كتاب الرقاب كلامًا كالذهب والدرر والجواهر يقول أمير المؤمنين أبو الحسن علي -رضي الله عنه وأرضاه-: [[ارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل] ] ويقول علي في الجنة:
واعمل لدار غدًا رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
فيا مسلم! أمامك قبر إما أن تحوله إلى روضة من رياض الجنة بصلاحك، أو تحوله إلى حفرة من حفر النار بفسادك وفجورك وإعراضك.