السؤاليقول السائل: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، إلى الشيخ عائض إني أحبك في الله، هل نظمت شعرًا في أهوال الآخرة؟ فإن كان الجواب نعم؛ فأرجو منك أن تسمعنا شيئًا في ذلك؟
الجوابعندي قصيدة (الدمعة الخرساء) فيها من ذكر أهوال الآخرة:
دنياك تزهو ولا تدري بما فيها إياك إياك لا تأمن عواديها
تحلو الحياة لأجيال فتنعشهم ويدرك الموت أجيالًا فيفنيها
عارية المال قد ردت لصاحبها وأكنف البيت قد عادت لبانيها
والأينق العشر قد هضت أجنتها وثلة الورق قد ضجت بواكيها
يا رب نفسي كبت مما ألم بها فزكها يا كريم أنت هاديها
إلى آخر القصيدة.
هذا ما يحضرني أني نظمت فيه، لكن من أعظم ما قرأت في أهوال الآخرة، قصيدة لأحد الشعراء المستقيمين العلماء، حضر عند نور الدين محمود زنكي أستاذ صلاح الدين الأيوبي، وهو من العلماء والفضلاء والزهاد، حتى يقال: هو سادس حكام الإسلام عدلًا، كان من أعدل الناس، وكان يصلي الليل إلا قليلًا، وكان يصوم أغلب الأيام، وكان لا يسمع الموعظة إلا بكى، وجاهد في سبيل الله حتى كان في أرجله جروح كثيرة من كثرة ما ركب الخيل.
عمل نور الدين في دمشق مهرجاناًَ حافلًا كبيرًا حضره أمراؤه ووزراؤه وقواده وجيشه والناس، فأتى هذا العالم والناس قد اكتظوا في المهرجان، فوقف أمام نور الدين محمود فألقى قصيدة كأنها تتقطع من القلب، يقول لـ نور الدين:
مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور
إن قيل نور الدين جاء مسلمًا فاحذر بأن تأتي ومالك نور
حرمت كاسات المدام تعففًا وعليك كاسات الحرام تدور
إلى أن يقول:
هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المصر على الذنوب دهور
قصيدة وأبياتها تقارب أربعين بيتًا، فلما ألقاها أغمي على نور الدين محمود، وسقط من كرسيه على الأرض مغشيًا عليه حتى رش بالماء, ويقولون: هي أول توبته في الإسلام.
ومن أحسن ما قرأت كذلك في شعر الآخرة، قصيدة للشاعر الكبير محمود بن عثيمين الذي توفى قبل سنوات، وقد رثى علامة من علماء نجد اسمه عبد الله العجيري، وقصيدته محزنة مرثية، يقول فيها:
هو الموت ما منه ملاذ ومهرب متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب
نؤمل آمالًا ونرجو نتاجها وعلَّ القضا مما نرجيه أقرب
ونبني القصور المشمخرات في الهوا وفي علمنا أنا نموت وتخرب
نشاهد ذا عين اليقين حقيقة عليه مضى كهل وطفل وأشيب
ولكن علا الرانُ القلوبَ كأننا بما قد رأيناه يقينًا نكذب
إلى الله نشكو قسوة في قلوبنا وفي كل يوم واعظ الموت يندب
إلى آخر تلك القصيدة.