السادس: استصحاب الزاد في الطريق الشاق، زادًا من العبادة المتأملة، والذكر الحي، والخشوع العجيب، والتبتل المنقطع النظير، لقد جعلت الثقافة الغربية من دعاتها أناسًا يحملون العلوم في أذهانهم سلات مهملات: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم:7] {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} [النمل:66] يعلمون كل شيء إلا الآخرة، ويعرفون كل شيء إلا الدين، ولذلك لا أثر لهم في قلوب الناس ولا حياة.
أما محمد عليه الصلاة والسلام فأعطى الجزء الكبير من وقته للعبادة؛ لأنها الزاد والطاقة للداعية التي تجعل كلمة الداعية حارة صادقة مخلصة تصل إلى القلوب، فلا تموت الكلمات إلا يوم تموت القلوب، ولا تموت المبادئ إلا يوم تموت الأعناق بالمنن، ولا تموت المناهج في الأرض إلا يوم يموت أصحابها في أوحال الأطماع والشهوات، فلا يبقي لهم الله أصلًا ولا ذكرًا.
والرسول عليه الصلاة والسلام يقوم الليل -أكثر من ست ساعات- يقوم معه أحد محبيه وأتباعه: حذيفة، فلا يستطيع أن يواصل، ويقوم ابن مسعود فيقول: {هممت بأمر سوء، قالوا ماذا هممت؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه} ويصوم عليه الصلاة والسلام فيواصل، ويذكر الله دائمًا على لسانه، فيكون مدده زادًا من العبادة وتوجهًا من الطاعة، لأن الله عز وجل دائمًا يطالب منه أن يكون عابدًا مهما انشغل بشواغل الحياة، أو بمشاغل الناس.