الأمة تعيش إعراضًا، ولو ادَّعت أنها ليست معرضة، فليس كل من ادعى شيئًا صادقًا.
قال ابن عباس في الحديث الصحيح: {لو أعطي الناس بدعواهم لادعى أناس دماء أقوام وأموالهم} .
وقال ابن القيم: (لو ترك الناس لدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي) .
الخلي الذي ينام ولا يحب، لا يوجد عنده هيام ولا عشق، والشجي هو هذا الموله وكم عندنا من شجيين لكنهم يعيشون الوله والهيام، يعيشون الحب، ويتكلم أحدهم بأغنية أمام الملايين، ويدعي أن حب محبوبته قتله وصرعه، وأصبح شهيد الفن، وهذا الشجي الذي يعيش الحرقة، والخلي غير الشجي، ويقول أبو الطيب المتنبي في مقطوعة رائعة له، وقد أساء في بيت من الأبيات يقول:
القلب أعلم يا عذول بدائه وأحق منك بجفنه وبمائه
ثم يقسم بمحبوبه، أعوذ بالله من الخذلان ومن هذا التلوث العقدي
فومن أحب لأعصينك في الهوى قسمًا به وبحبه وبهائه
والشاهد الذي نريده هو قوله:
لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى يكون حشاك في أحشائه
وهؤلاء الشهوانيون يعذلون الدعاة الغيورين في هذا الجانب، يقولون: لماذا يغضب الداعية لأنه يرى مجلة خليعة، أو يسمع أغنية ماجنة؟ ما هذا الغضب والتهور؟ وما هذا التشدد والتشنج؟
أقول له:
لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى يكون حشاك في أحشائه
فقصدي أن الأمة تعيش إعراضًا عن الله عز وجل، وكيف الإعراض؟
الإعراض عن أخذ المنهج كله جملة وتفصيلًا، أو تأخذ بعض ما يعجبها، وتترك ما لا يعجبها، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن الإعراض الكلي المطلق: {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ} [سبأ:16] .