قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في غزوة الأحزاب وهو يسوق بسنده إلى جابر رضي الله عنه وأرضاه، قال جابر: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحزاب إذ عرضت لنا كدية -أي صخرة وهم يحفرون الخندق- قال: فشكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل عليه الصلاة والسلام إلى الخندق بمعولٍ بيده، وعلى بطنه حجرٌ مربوطٌ من الجوع عليه الصلاة والسلام، قال: فلما رأيت آثار الجوع في بطنه عليه الصلاة والسلام، ذهبت إلى أهلي، وقلت: هل عندكم من شيء؟ قالت: عناق وشيءٌ من شعير، فَذبحتُ العناق وطحنت هي الشعير وعجنته، ثم ذهبت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فأخبرته الخبر وقلت: يا رسول الله! تعال أنت واثنين معك، قال: فلما انتهيت من كلامي لرسول الله صلى الله عليه وسلم -وكان قد ساره الخبر لئلا يشعر الناس- نادى عليه الصلاة والسلام في أهل الخندق، وقال: يا أيها الناس! إن جابرًا صنع لكم طعامًا فحيهلًا بكم -وكانوا مئات من الصحابة من المهاجرين والأنصار، وبلغوا من المجاعة مبلغًا عظيمًا الله أعلم به- فلما سمعوا الخبر ألقوا المساحي من أيديهم والمكاتل وهرعوا إلى الصوت زرافات ووحدانًا.
وانطلق أمامهم مربي البشرية، ومعلم الإنسانية صلى الله عليه وسلم- قال جابر: فأتاني من الحياء ما الله به عليم.
فدخل عليه الصلاة والسلام وقال: يا جابر! أين اللحم؟ قلت: يا رسول الله! في البرمة قال: وأين العجين؟ قلت: هذا هو يا رسول الله، فبصق عليه الصلاة والسلام فيه -بصقًا مباركًا طيبًا ألذ من العسل المصفى، وأحلى من الشهد، ودعا الله عز وجل وسمى- ثم قال: يا جابر! أدخل الناس عليَّ عشرة عشرة فأخذ الصحابة يدخلون عشرة عشرة والرسول عليه الصلاة والسلام صاحب الضيافة في هذا اليوم يدخلهم ويدنيهم صلى الله عليه وسلم، فكلما أكل عشرة قاموا وأتى عشرة، ثم يقوم العشرة فيأتي عشرة، فدخل هذا العدد الكثير، وهو عدد جيشٍ ضخم يريد أن يرد كيد المعتدين عن المدينة المنورة، فلما انتهوا نظر عليه الصلاة والسلام إلى اللحم كما هو لم ينقص شيئًا، وإذا بالشعير بحاله لم ينقص شيئًا.
لو لم تكن فيه آياتٌ مبينة لكان منظره ينبيك بالخبر
ثم قال: {يا جابر! تعال كل، قال: فدنوت فالتفت إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتبسم وقال: أشهد أني رسول الله، فيقول جابر: أشهد أنك رسول الله، فيقول: يا جابر! كل أنت وأهلك واقسم لجيرانك -أو كما قال عليه الصلاة والسلام- قال جابر: فقسمنا على جيراننا، فوالذي نفسي بيده لقد باتوا على خبزٍ ولحمٍ في تلك الليلة} وقد ذكر الله عز وجل هذه الغزوة وعلق عليها، وندد في كتابه بالمعتدين، وأخبر أنه قطع دابرهم، وفل شوكتهم، وأنه كفى المؤمنين القتال.
قال جل ذكره وهو يتحدث في سورة الأحزاب عن ساعة الصفر التي بلغها الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب:9 - 11] ثم يتحدث الله عز وجل عن المنافقين: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب:12] .