ومن معالم دعوته عليه الصلاة والسلام: اطِّراح التكلف.
يقولون: إذا زاد البياض أصبح برصًا.
التكلف في الصوت ضياع لمعالم الصوت، تجد المقرئ قارئًا من أجمل الناس صوتًا، فلا يرضى بقسم الله له في الصوت الحسن، ولا يرضى بهذه الموهبة، حتى يتكلف ويشحب بصوته، ويرفع بنَفَسِه حتى تضيع هذه الموهبة بسبب التكلف، قال عمر في كتاب الأدب من صحيح البخاري: {نُهِينا عن التكلف} تجد الخطيب بارعًا ومفيدًا، لكن يتكلف، ويريد أن يقلد غيره فيضيع، يقولون: الغراب قلد مشية الطاوس، فضيع مشيته ومشية الطاوس، أراد أن يعود لمشيته الأولى فضيَّع.
والتقليد هذا ظاهر عند بعض الناس من بعض البادئين؛ أنهم يريدون أن يكونوا صُوَرًا طبق الأصل لبعض الناس، حتى يقلد العالِِم في سَعْلَتِه، وفي تَنَحْنُحِه، وصوته، خلق الله له صوتًا ولك صوتًا، وله سَعلةً ولك سَعلة، وله كحَّة ولك كحَّة، وله عُطاس ولك عُطاس، فأما أن تقلده بهذا التقمص فهذا يسمى إذابة للشخصية، ويسمى موت لمعالم الإنسانية في النفس، تسحق شخصيتك سحقًا.
ولكن قلده في العلم، وفي المعنويات، والكرم، والصبر، وفي الحلم.
التكلف هذا عندما دخل على المسلمين ضيَّع معالم سيرتهم، حتى التكلف في الأسئلة، يسألون عن أسئلة ما أنزل الله بها من سلطان ما وقعت، ولكن سَلُوا فيما وقع، وقد أتى بعضهم يسأل عن مسائل كثيرة، منها:
ما رأيكم في أطفال أهل الفطرة؟ وتجد هذا عاميًا لا يعرف سجود السهو، هل هو قبل السلام؟ أو بعد السلام؟
وماذا تقولون في تُبَّع؟ هل هو نبي أو لا؟ فأنا محتار، من البارحة وأنا أفكر في هذا الموضوع.
ومسائل أخرى وأخرى.
إذًا: فلا بد من طرح التكلف.
هذه معالم من تربيته عليه الصلاة والسلام، ومن نهجه في الدعوة، ولعلَّ في الحلقة المقبلة إن شاء الله معالم أخرى في حياته، ولكن هذه إنما هي دروس أو إيحاءات من سيرته صلى الله عليه وسلم، في باب الدعوة، كيف دعا إلى الله؟ وكيف علَّم؟ وكيف أفتى؟ وقبل أن ننتهي أستمع إلى سؤالين أو ثلاثة.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.