فهرس الكتاب

الصفحة 2169 من 10391

كان جليبيب رجلًا فقيرًا، لا يملك من الدنيا قليلًا ولا كثيرًا، حتى ثوبه يبقى عليه السنوات بدرنه وغباره ووسخه، لا يجد إلا كسرة الخبز، ولكن الله نظر إلى قلبه فهداه إلى الإسلام، والذين يتفننون في القصور والدور قد لا يهديهم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى سواء السبيل: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال:23] .

{جاء جليبيب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتبسم صلى الله عليه وسلم لما رآه، وقال وهو يمازحه: يا جليبيب! أتريد الزواج؟ فقال: يا رسول الله! من يزوجني لا أسرة عندي ولا مال ولا دار ولا شيء من متاع الدنيا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: اذهب إلى ذاك البيت من بيوت الأنصار، فأقرئهم مني السلام، وقل لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تزوجوني، فذهب وطرق عليهم الباب، وكانوا من سادات الأسر، ومن كبريات العشائر في الأنصار، فخرج رب البيت، ورأى جليبيبًا وهيئته، وفقره، وعوزه، فقال: ماذا تريد؟ فأخبره الخبر، فعاد إلى زوجته فشاورها، فاستكبرا الخبر، وقالوا: ليته غير جليبيب، فلا نسب ولا مال ولا دار، فشاوروا تلك البنت الصالحة التي تربت في مدرسة التوحيد، فقالت: وهل تردون رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!}

فتزوج بها وعمَّر بيته الذي أسسه من الفقر، فكوخه المسكنة، وإدامه التسبيح والتهليل والتكبير، وظلاله الصلاة في الهجير، والصيام في شدة الحر، وحضر معركة من المعارك، ولما انتهت بالنصر قال صلى الله عليه وسلم: هل فقدتم أحدًا من الناس؟ قالوا: فقدنا فلانًا وفلانًا، قال: وغيرهم؟ قالوا: ما فقدنا أحدًا، قال: لكني فقدت جليبيبًا، ثم قام عليه الصلاة والسلام، فتفقده في القتلى البواسل والشهداء الفواضل، فوجده قد قتل سبعة من الكفار وقتل بجانبهم، فتقدم إليه الرسول الكريم، والنبي العظيم، فقبل جبهته قبلة الجائزة للموحدين، وللشهداء العارفين، وللأبرار الخالدين، وقال: قتلت سبعة ثم قتلوك، أنت مني وأنا منك، أنت مني وأنا منك، أنت مني وأنا منك.

لقد كانت عظمة هؤلاء يوم اتصلوا بالواحد الأحد، عرفوا الله عز وجل؛ فعرَّفهم الله عز وجل على منازل الصديقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت