لماذا عادوه؟ مسكين، إنسان ما عنده منصب، لم يتول في حياته منصبًا أبدًا، لم يعرف أن ابن تيمية منذ ولد أنه تولى منصبًا أبدًا، ولم يستلم خلعة -الخلعة هي: الجائزة والوسام- ولم يستلم كأسًا في مباراة، ولم يؤت له بمال إلا رفضه؛ قال ابن عبد الهادي:"وكان يؤتى له بالقناطير المقنطرة، فيوزعها على الفقراء وهو جالس، ولا يحمل درهمًا واحدًا"وكان عنده ثوبان عليه في برد، فخرج مرة في دمشق فرأى فقيرًا، فنزل وراء الحائط وخلع ثوبه وأعطى الفقير، ومشى قليلًا فإذا بفقيرٍ آخر فأخذ عمامته فقسمها نصفين، فأعطى نصف العمامة الفقير، ولف النصف الآخر عليه.
وكان يخرج يوم الجمعة بما بقي من إفطاره من الخبز، كان متقشفًا، لم يكن يفطر بتسعة أنواع وبخمسة عشر نوعًا على المائدة، إنما كان عنده خيارة وقليل من الخبز إذا لم يكن صائمًا، وغالب أوقاته كان صائمًا، كان يفضل بعض أنواع الخبز فيخرج به إلى الأطفال ويعطي الفقراء والمساكين.
وكان إذا انزوى في طريق كان يرفع يديه، يقولون: كأنه شحاذ؛ لكن هذه الشحاذة من نوع أعلى لأنها إلى الله، شحاذة راقية، شحاذة محبوبة وهي من الدين، كان يسأل الله، ويسأله، ثم يسأل، حتى تنهمر دموعه، ثم يعيد يديه.
فكان مؤيدًا دائمًا لا ينفك أبدًا عن الاتصال بالله، وعن أعمال الخير، إذًا لماذا عودي؟!! ولم يكن عنده مال أبدًا، كان عنده بيت صغير مثل الغرفة، وكان يتوضأ في دورات المياه مع المسلمين، ومع ذلك هذا الرجل شيعته الأمة، وبكت عليه الأقاليم، وكاد يقع حيص بيص في الدولة الإسلامية آنذاك لما مات.
مات في القلعة، انتهى من الختمة 83 عند قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر:54 - 55] ثم مات.
لقد مات بين الطعن والضرب ميتةً تقوم مقام النصر إن فاته النصرُ
فتىً كلما فاضت عيون قبيلةٍ دمًا ضحكت عنه الأحاديث والذكرُ
وما مات حتى مات مضرب سيفه من الضرب واعتلت عليه القنا السمرُ
تردى ثياب الموت حمرًا فما أتى لها الليل إلا وهي من سندس خضر
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، إنا لله وإنا إليه راجعون.
جمعنا الله به في دار الكرامة، وأرانا وجهه، ورفع منزلته، مع هذه العظمة أقول: لماذا عودي؟
أولًا: الحسد.
هم يحسدوني على موتي فوا أسفا حتى على الموت لا أخلو من الحسدِ
وسبب هذا البيت: أن رجلًا قال: والله لو تمنيت الموت لحسدني الناس على ذلك، قالوا: ما صدقت.
قال: اسمعوا، فجمع الناس في المجلس، وقال: رأيت البارحة أن السلطان قتلني وصلبني على خشبة.
قالوا: وأنت يا حقير، تبلغ من صلبك السلطان، ما يصلب السلطان إلا الوزراء.
فغضبوا عليه وخرجوا.
فيقول لهم الناس: لماذا تخرجون؟ قالوا: هذا يقول يموت مصلوبًا، كأنه ابن بقية -أي: أحد الوزراء- قال:
إن يحسدوني على موتي فواأسفا حتى على الموت لا أخلو من الحسدِ
وما خلا جسد من حسد، والحسد ممقوت في القلوب، قيل للحسن البصري:"أيحسد المؤمن؟ قال: ويلك، أنسيت قصة إخوان يوسف ليوسف؛ كانوا صالحين، وأتقياء، وأبوهم نبي، وأخوهم نبي، وقيل في بعض الروايات: إنهم أنبياء، وأخوهم شقيقهم، ثم حسدوه".
وهذا يقع فيه كثير من الناس، خاصة في أهل المهن، تجد أن النجار يحسد النجار، والخباز يحسد الخباز، والعالم يحسد العالم، والأديب يحسد الأديب، عدوك صاحب مهنتك.
ولذلك إذا أردت أن تبرد مزاج النجار فلا تذكر له نجارين آخرين.
كنت أنا مع بعض الشباب نبحث مع بعض العمال في مسألة، فقلنا: نريد مثلك عاملًا أمينًا صدوقًا.
قال: لا تجد مثلي في الأرض عاملًا أمينًا صدوقًا؛ أي: انتهت المعمورة من هذه الماركة المسجلة.
قلت: لماذا عودي ابن تيمية؟ أولًا: الحسد.
ثانيًا: المعارضة لأفكاره؛ لأنه يريد أن يثبت تجديدًا في الأمة، لا بد للمجدد الذي ينقم على الأمر السائد الخاطئ من أعداء.
ثالثًا: حدته الفوارة، فعقله يلتهب وفيه حدة وكان إذا تكلم ينزل على الخصم، لأنهم يقولون: هذا الذي يؤتى موهبة مثله، أحيانًا يجد أنه يجب أن يسمع الناس له، ويجب أن ينصتوا له، فإذا ما أنصتوا غضب، فكان يعتريه حدة، وكان ربما يزمجر مثل الأسد، فيغضب عليه الناس فيوجد له أعداء، وهذه موجودة فيه.
رابعًا: اجتهاداته التي ينفرد بها، وذلك يغضب غضب أهل المذاهب، فيقولون: لماذا يخرج علينا؟ لا يجوز البيروسترويكا عندنا، لا بد أن نبقى على السائد، واتركنا على القديم، ويقولون: كيف تخرج؟ فيرفضونه.
خامسًا: طريقته السلفية في العقيدة.
فهو يدعو إلى مذهب السلف، وهو مُنَظِّرُ مذهب السلف، ولذلك الطوائف الأخرى كلها خاطئة بجانبه، فيرى أنهم في صف وهو في صف، ولا التقاء حتى يعودوا.
سادسًا: مخالفته لـ ابن عربي.
ابن عربي كان في الشام، وهو لا يزال مضرب المثل، وهو الشيخ، والقطب، والغوث، والوتد؛ فرد عليه ابن تيمية، يقول: كنت مغترًا به في شبابي فلما قرأت الفتوحات المكية وفصوص الحكم عرفت أنه مخطئ"فبدأ ابن تيمية يبين خطأه للناس، فالجماهير التي انضمت لـ ابن عربي خالفت ابن تيمية، فبقي ابن تيمية ومات ابن عربي."
سابعًا: نسبت بعض الأقوال إليه وهو بريء منها، فقد ألفت عليه كتب يقال: إنه قالها وهو بريء منها، وعلقت به بعض الأمور وهو بريء منها، فغضب عليه بعض الناس، وظنوا أن أعداءه صدقوا فيها، ولكنه كذب وخرافة، وقد ذكر أبو الحسن الندوي بعض الكتب التي نسبت إليه وهي خاطئة وليست بصحيحة.
والحقيقة أن ابن تيمية بريء من هذه الكتب المؤلفة المخالفة لمنهجه العامر مثل كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود قال: قد ألحق بعض الحساد إلى كتابه البحر المورود في المواثيق والعهود، فهو له، لكن هناك زيادات كانت تعارض الشريعة أدخلوها في الكتاب تعارض الشريعة، وتولوا إشاعته في الجامع الأزهر وغيره، حتى نجمت في ذلك فتنة.
هذه أسباب عداء الناس لـ ابن تيمية، ولكن مهما عودي فإنه لا يزداد إلا رفعة وعظمة وجلالة، فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا.