اللجوء إلى الله أن تفوض الأمر إليه (حسبنا الله ونعم الوكيل) يقولها إبراهيم: وهو بين الأرض والسماء كالقذيفة في المنجنيق وقد اقترب من النار، فيقول له جبريل: ألك حاجة؟ -تصور الخطورة، وتصور الموقف، إبراهيم في الهواء كالطائر، يرمى بالمنجنيق، وسوف يصل بعد دقائق إلى النار، فيقول له جبريل: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا.
وأما إلى الله فنعم.
فلما اقترب قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فجعل الله النار بردًا وسلامًا، والرسول صلى الله عليه وسلم في غار ثور يطوقه الكفار، فيرى أبو بكر قدم كافر فيقول: {يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى موطن قدميه لرآنا، قال عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما} وموسى في البحر يقول: إن الله معنا، فانتصر عليه السلام في البحر، وسوف تتكرر هذه دائمًا كلما عادت الأمة ملتجئة إلى الله، مستغفرة منيبة تائبة.
وصلاح الدين الأيوبي ذاك البطل، أشكره وأسأل الله أن يجمعنا به في دار الكرامة، صلاح الدين كردي، قال تعالى: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام:89] إذا أصبحت الأمة العربية تربي الصقور، ومغرمة بـ (ما يطلبه المستمعون) أعطيت الرسالة سواء كانوا أتراكًا أو هنودًا أو أفغانًا أو أكرادًا، الأكراد الذين سُحقوا بالكيماوي وأصبحوا كورق الخريف، وأصبحوا هشيمًا كالأظافر إذا اقتلعت، ولم يغضب أحد ولم ينكر أحد، هذا صلاح الدين منهم.
فهل تعلمون ماذا فعل صلاح الدين، يقول وهو شاب: والله لا أتبسم حتى أفتح بيت المقدس وصدق والله، متى بدأت معركة حطين؟ بدأت في الثانية عشر ظهرًا، يعني خمسة عشر يناير عند صلاح الدين الثانية عشر ظهرًا، ليست الثانية عشر ليلًا، عنده في الثانية عشر ظهرًا قال: إذا صعد الخطباء على المنابر بدأت بالهجوم، لماذا؟ قال: لأكتسب دعاءهم، وكان عند الخطباء خبر أنه سوف تقوم حطين، وهي من أشهر المعارك، بل هي أم المعارك، تأخذ الأخضر واليابس، فلما صعد الخطباء على المنبر، بدأ (باسم الله) يقولون له، وكان في الكتيبة الثانية، وكاد الجيش أن يتزعزع، وكان يقول: وا إسلاماه، وا إسلاماه -وقيل إنها لـ قطز - هذه (واإسلاماه) هي من صلاح الدين، وبدأ الهجوم، وسحق المشركين والصليبيين سحقة لم يسمع الدهر بمثلها، وفي يوم الجمعة الثانية دخل بيت المقدس، وأذن مؤذن وبكى الناس من الفرح، وكان صلاح الدين الكردي القائد العسكري قبل المعركة قد قرأ من سورة الأنفال قليلًا، وقبل المعركة قال: أسمعوني من كتاب موطأ الإمام مالك، وكان هو شافعي المذهب أشعري المعتقد، لكن أشعريته على العين والرأس ما دام أنه ليس ملحدًا ولا علمانيًا، ولا صليبيًا ولا صهيونيًا، وإنما هو مسلم يحمل لا إله إلا الله، أتى هذا الرجل فقال: اقرءوا موطأ الإمام مالك، فقرءوا في الكتاب قليلًا، ثم أبتدأ الهجوم، وفي الصف الأول، كان يصلي الجمعة، وقام الخطيب شمس الدين الحلبي، فافتتح الخطبة افتتاحًا هائلًا- الخطبة مكتوبة - ثم قال يحيي القائد:
تلك المكارم لا قعبان من لبن وهكذا السيف لا سيف ابن ذيزن
وهكذا يفعل الأبطال إن غضبوا وهكذا يعصف التوحيد بالوثن
إلى آخر ما قال
فلما التجأ إلى الله نصره الله.