الحمد لله الذي كان بعباده خبيرًا بصيرًا، وتَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا، وتَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا.
والصلاة والسلام على من بعثه ربه هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
من الوجوه وجوه لا تُرى إلا في الخير، لا تُرى إلا في الصلاة، وفي مجامع الخير، وفي دروس الهدى، وفي حلقات الذكر، وهذه وجوه الذين آمنوا بالله واليوم الآخر، وجوه الذين قال الله فيهم: {أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} [الأحقاف:16] .
ومن الوجوه وجوه لا تُرى إلا في الشر، ولا تُرى إلا في مجامع الفساد، وفي الساعات الحمراء من ساعات البغي والفجور: {وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [العنكبوت:23] .
عمر رضي الله عنه وأرضاه نزل إلى السوق، فرأى سارقًا سرق، ورأى جمعًا من الناس يطاردونه، قال: [[مالكم! ستره الله وتفضحونه، قبح الله تلك الوجوه التي لا ترى إلا في الشر] ].
وأبو هريرة دخل إلى المسجد فرأى حلقًا من الناس يتحدثون بالآيات والأحاديث، فأتى إلى تجار الدنيا وهم يبيعون الطعام والحب والزبيب والتمر في السوق، فقال: أتريدون ميراث الرسول عليه الصلاة والسلام؟!
قالوا: نعم.
قال: فإنه يوزع الآن في المسجد، فتركوا تجارتهم وتسابقوا إلى أبواب مسجده صلى الله عليه وسلم، فما رأوا حبًا ولا تمرًا، ولا زبيبًا ولا دقيقًا، وإنما رأوا قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، ورأوا حلقًا للذكر، ووجوهًا ناصعةً مؤمنة، وسجدات تلوح على الجباه، وقلوبًا تتحرك بلا إله إلا الله:-
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسرى بها الساري
قال التجار: يا أبا هريرة! أين الميراث؟
قال: ماذا وجدتم؟
قالوا: وجدنا حلق الذكر تفسيرًا وحديثًا، قال: [[فهذا والذي نفس أبي هريرة بيده! ميراثه صلى الله عليه وسلم، ما ترك درهمًا ولا دينارًا، ولا دارًا ولا عقارًا، وإنما ترك العلم فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر] ].
كفاك عن كل قصر شاهق عمد بيت من الطين أو كهفٌ من العلم
تبني الفضائل أبراجًا مشيدة نصب الخيام التي من أروع الخيم