وعبد الملك بن مروان الخليفة الأموي لما حضرته الوفاة بكى طويلًا، وقال: يا ويلتاه! ما أغنى عني ماليه, هلك عني سلطانيه, يا ليتني كنت راعي غنم, يا ليتني كنت زبالًا! يا ليتني كنت غسالًا! فبكى الناس حوله من كلامه هذا, فلما بلغ كلامه سعيد بن المسيب رحمه الله -عالم المسلمين- قال: الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا وقت الموت ولا نفر إليهم؛ لأنهم لا يستيقظون إلا وقت الموت, ولا يتنبهون إلا في هذه الساعة, وإذا الأمر خرج من أيديهم, وإذا العمر ليس معهم, فيفيقون ويتذكرون فإذا ليس بأيديهم حيلة.
ولذلك الذكي كل الذكاء الذي يعد لهذه الساعة, ولا يغتر بالشباب, ولا يغتر بالصحة, فلا تقل: إني شاب وسوف أتخرج, وسوف أحضر بعض الرسائل, وسوف أتقلد بعض المناصب ثم أستعد للموت, فهذا هو الغباء كل الغباء, وهذه البلادة كل البلادة, ومن أعطاك عهدًا من الله أنك سوف تستمر هذا العمر, ومن أعطاك من الله خبرًا يقينيًا أنك سوف تعيش حتى تتخرج, لا والله إن الموت معك, وإن الملك ليصاحبك، يقول سبحانه وتعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد:11] أي: أن الموت معك لكن هناك معقبات تحفظك حتى يأمر الله, فإذا أتى أمر الله تولى عنك هذان الملكان الحافظان.
قد يأتي أجلك وأنت في الطيارة في الجو, وقد يأتي وأنت في السيارة, وقد يأتي وأنت على كرسي الدراسة تستمع وكلك آذان صاغية لما يقوله الأستاذ، وإذا بك تفاجأ وتنتقل إلى الدار الآخرة.