والمجالس مجلسان: مجلس لله، ومجلس للشيطان.
فأما مجلس الله فمجلس أوليائه، وأولياء الله مجالسهم معروفة.
قيل لـ ابن المبارك الزاهد الشهير: مع من نجلس؟ دلنا على جليس؟ فأنشد أبياتًا كأنه كتبها بدمه، قال:
من كان ملتمسًا جليسًا صالحًا فليأتِ حلقة مسعر بن كدام
فيها السكينة والوقار وأهلها أهل العفاف وعلية الأقوام
مجلسكم هذا من أعظم المجالس لا لحضوري أنا، لكن لحضوركم أنتم
ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه من المسك كافورًا وأعواده رندا
وما ذاك إلا أن هندًا عشية تمشت وجرت في جوانبه بردا
لأنفاسكم، ولجلوسكم، ولتسبيحاتكم خمس فوائد في مجلسكم هذا:
1/ لعل الله أن يغشانا بالسكينة.
2/ ويحفنا بالرحمة.
3/ وتتنزل علينا الملائكة.
4/ ويذكرنا الله فيمن عنده.
وخامسة أحلى من العسل: يقول الله لنا في آخر المجلس: انصرفوا مغفورًا لكم.
فتقول الملائكة: يا رب! عبدك فلان جلس معهم هكذا -أي: ما أراد الجلوس وإنما رأى الجماهير فجمهر- قال: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.
وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {من جلس مجلسًا لا يذكر الله فيه، إلا كانت عليه ترة يوم القيامة} أي: حسرة وندامة.
ومجالس أهل الخير إذا جلسوا فيها عمروها بالتقوى لما حضرت سكرات الموت عمر بن الخطاب وطعن، قال: [[ما آسى على الحياة إلا على ثلاث، ومنها: ومجالس قوم ينتقون لي أطايب الكلام كما ينتقى أطايب التمر] ].
مجالس أقوام هي لذائذ في الحقيقة، وبعض الناس لم يجد هذه المجالس؛ إما لوحشته في دهره؛ أو لأنه ما وجد صالحين فأخذ يبكي على مجالس الصالحين.
أما المتنبي فيقول:
أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب
ونحن نقول: يا أبا الطيب! لو عرفت جلساءنا لما مدحت الكتاب، بل خير جليس في الزمان رجل صالح، يتحدث إليك بقلبه المؤمن، وبسجداته وبتطلعاته الإيمانية، وبإقباله على الله.