أتى صلى الله عليه وسلم بعلمه من السماء، قال: {مثل ما بعثني به الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث} والغيث فيه غوث للقلوب وكذلك العلم، وقال عليه الصلاة والسلام: {من العلم والهدى} لأن رسالته صلى الله عليه وسلم أتت بالعلم الذي هو العلم النافع، والهدى العمل الصالح.
ولذلك قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم -نقلًا عن سفيان بن عيينة:"من فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى، ومن فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود"لأن رسالته صلى الله عليه وسلم ليست ساذجةً تعبديةً تقليديةً، وليست علميةً تنظيريةً؛ بل جمعت بين العلم والعبادة، وبين الفكر والإرادة، وبين المعتقد والسلوك، ولذلك ذم الله بني إسرائيل بأنهم تعلموا لكنهم لم يعملوا بعلمهم، قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الأعراف:175 - 176] ووصف الله بني إسرائيل بصفة الحمار:
{كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة:5] والحمار لا يفهم ولا يعقل ولو حمل الأسفار على ظهره؛ لأن السر فيه أنه حمار.
تقول له زيدًا فيسمعه عمرًا ويكتبه بكرا ويقرؤه فهرا
قال الجدار للوتد لم تشقني؟ قال: اسأل من يدقني!
لذلك إذا لم يكن هناك إرادة وإيمان فلا ينفع العلم:
لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع
ولذلك لا يكون العلم بحفظ المجلدات والمصنفات، ولكنه إرادة إيمانية، ولذلك قال الله تعالى: (الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ) [الروم:56] ؛ لأن العلم بلا إيمان علمانية أتاتوركية
موتًا أتاتورك الدعي كموت تيتو أو جمال
وأتاتورك عَبَدَ العلم، وعَبَّدَ الأتراك للعلم، وجعل العلم إلهًا يعبد من دون الله، وقال: لا إله إلا العلم.
فعلم بلا إيمان خسارة وتباب، يقول أبو الحسن الندوي ذاك المفكر المحبوب سقى الله عظامه يوم يموت من شآبيب الجنة:"عين بلا إيمان مقلة عمياء، وقلب بلا إيمان كتلة لحم ميتة، ومجتمع بلا إيمان قطيع من البهائم السائمة".
ونحن نقول: وقصيدة بلا إيمان كلام مصفف، وكتاب بلا إيمان كلام ملفف، وكلمة وخطبة بلا إيمان صهيل وزمجرة لا فائدة فيها.
إذا علم هذا؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يجمع بين العلم والإيمان، وأراد أن يجمع بين العلم والعمل.
والنصارى عبدوا الله لكن لم يتعلموا، واليهود تعلموا ولم يعبدوا، قال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [المائدة:13] والنصارى عبدوا الله، صلوا وركعوا وسجدوا، لكنهم متخلفون رجعيون لا يفهمون ولا يعقلون: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد:27] .
أما أشباه اليهود -كما يقول ابن تيمية - فهم فسقة العلماء.
أرأيتم طالب علم يتخرج من جامعة ثم يكون فاسقًا؟! ما أدهاه! لو كان راعي غنم كان أفضل له، لكن يتخرج من الجامعة، ثم يكون فاسقًا عربيدًا، هذه هي المشكلة.
فأشبه اليهود فسقة علماء الأمة نعوذ بالله من الفسق، وأشبه النصارى غلاة الصوفية، يأتون بأمور تضحك الذي هو في سكرات الموت.
يقول الخطابي في كتاب العزلة:"أتى صوفي غالٍ فأخذ شيئًا بغراءٍ ألصقه على عينه اليسرى، فقالوا: مالك؟ قال: إسراف أن ننظر إلى الدنيا بعينين، فقال: انظروا إلى هذا المخرف كيف جحد نعمة الله، والله يمتن على الناس ويقول: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد:8 - 10] ."
وقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس:"رؤي صوفي يقرأ وهو ينعس في صلاة الظهر، قالوا:"مالك؟ قال: سهرت البارحة في النافلة؛ فما استطعت أن أصلي الظهر إلا وأنا ناعس، قال: فانظر إلى جهله كيف صلى النافلة حتى ترك الفريضة"."
إذا علم هذا؛ فشجع صلى الله عليه وسلم العلماء بأن الله بعثه معلمًا عليه الصلاة والسلام، يقول لـ معاذ: {إنك تأتي يوم القيامة تقدم العلماء برتوة} والرتوة: رمية بحجر أو بخطوة؛ يقود العلماء، سلام على معاذ! يقول ابن مسعود: [[معاذ كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين شاكرًا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم]
1000035>معاذ عاش ثلاثًا وثلاثين سنة، لكنها تعادل في ميزان الحق والإيمان ثلاثًا وثلاثين قرنًا، كان يتكلم بعلم، ويفتي بعلم، وهو حسنة من حسنات المصطفى صلى الله عليه وسلم، في سنن أبي داود بسند جيد قال: {أخذ صلى الله عليه وسلم بأصابعه فشبك أصابعه بأصابعه وقال: يا معاذ والله إني لأحبك} معلم البشرية يقول لأحد تلاميذه: {والله إني لأحبك، فيقول معاذ: فوالله يا رسول الله، إني أحبك، فيقول رسول الله: يا معاذ لا تدع في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك} .
حضرت الوفاة معاذًا في الشام، فلما حضرته سكرات الموت، ما ندم على قصر بناه، ولا على نهر أجراه، ولم يشتغل بالحدائق والقصور لكنه بكى، قالوا: مالك تبكي؟ قال: [[مرحبًا بالموت، حبيبًا جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، اللهم إنك تعلم أني لم أحب الحياة لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولا لرفع القصور، ولا لعمارة الدور، ولكني كنت أحب الحياة لثلاث خصال: لمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر، ولمجالسة قوم ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر، ولأعفر وجهي ساجدًا لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى] .
ومما زادني شرفًا وفخرًا وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيًا
خرج ابن المبارك العالم الجليل من أم القرى -يا أهل أم القرى - ببغلته للجهاد، وترك الحلقة في الحرم، قالوا: الفريضة بمائة ألف صلاة؟! فردد بيتيه المشهورين:
بغض الحياة وخوف الله أخرجني وبيع نفسي بما ليست له ثمنا
إني وزنت الذي يبقى ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا
وذهب إلى الجبهة وقاتل، وأتته رسالة من العالم الفضيل يشجعه على العلم، لكن العلم يشجع أصحابه على التخصصات في وقتها، فكتب ابن المبارك إليه يقول له:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب