روى الترمذي عن عطاء عن عائشة رضي الله عنها أنها:[[مرت بقبر أخيها عبد الله بن أبي بكر فسلمت عليه وقالت: يا عبد الله! مثلي ومثلك كما قال متمم:
وكنا كندماني جذيمة برهة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
وعشنا بخيرٍ في الحياة وقبلنا أصاب المنايا رهط كسرى وتُبَّعا
فلما تفرقنا كأني ومالكًاَ ً لطول اجتماعٍ لم نبت ليلة معا
ثم بكت وأودعت، هذه الأبيات تكتب بماء الذهب.
سمع عمر الأبيات فبكى، وقال: [[يا متمم! والذي نفسه بيده لوددت أني شاعر، فوالله ما هبت الصبا من نجد إلا جاءتني بريح زيد.
يا متمم! إن زيدًا أسلم قبلي وهاجر قبلي وقُتل قبلي]] ثم بكى عمر.
يقول: يا ليتني أجيد الشعر! يا ليتني أعرف صنع القصائد لأرثي أخي زيدًا الذي قُتل في اليمامة في حرب مسيلمة الكذاب، هذا متمم سطر لأخيه مالك قصائد تبكي القلوب قبل العيون يقول:
لعمري لقد لام الحبيب على البُكا رفيقي لتذراف الدموع السوافك
فقال أتبكي كل قبرٍ رأيته لقبر ثوى بين اللوى في الدكادك
فقلت له إن الشجى يبعث الشجى فدعني فهذا كله قبر مالك
إلى آخر ما قال.
وما زلنا الآن بعد خمسة عشر قرنًا نتأثر به ونتوج به خطبنا، وأمسياتنا وندواتنا، أما شعر الأسمنت ودرجات الحرارة، والصيدليات المناوبة، وشعر البطيخ والكوسة، والأسعار، والمحيطات، والجغرافيا، والعواصم، فإنه يموت سريعًا حتى ربما ينظر إليه بنظرة فإذا رأيت المطلع، قلت: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) .
ابن زيدون يبكي الأندلس أسرة في الأندلس، أما ابن جهور أو بني الأحمر فنُكِبوا نكبة ما بعدها نكبة.
أتى ابن زيدون وسلم عليهم في السجن، وقدم لهم أعظم هدية أنه عزاهم فقال:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر فما البكاء على الأشباح والصور
أنهاك أنهاك لا آلوك موعظة عن نومة بين ناب الليث والظفر
إلى آخر ما قال وفيها شريط مسجل لأحد الأدباء شرحها شرحًا وافيًا، وعلى كلٍّ فقد ذكرهم بالله في آخر القصيدة، وهذا هو الفرق بين الشاعر الملتزم المؤمن المصلي، وبين الشاعر المجرم المنحرف.