قال أهل العلم: إنما ضرب الله لهم المثل بالنار لثلاثة أسباب:
أولًا: أن النار لا توقد إلا بوقود وبحطب، فحطبها الإيمان، وهو العقيدة والأعمال الصالحة، وهذا ليس عنده وقود، فالمنافق يتكلم بلسانه غير الذي يضمره في قلبه لأنه لا وقود عنده، ولا يوجد في قلبه شيء يسقي به هذا الإيمان والأعمال الصالحة، فانطفأت عليه جذوة الإيمان.
ثانيًا: قالوا: إنما جعل الله لهم النار مثلًا؛ لأن الذي ليس عنده نار ولا ضياء أهون ممن كان عنده نور ثم ذهب عنه، فلو كنت في الصحراء في ظلام من صلاة المغرب إلى الفجر لكان أسهل عليك من أن توقد لك النار برهة من الليل ثم تنطفئ؛ لأنك تجد من لوعة فراقه أشد مما تجد لو كان معدومًا.
ثالثًا: قيل: جعل الله لهم النار مثلًا؛ لأن فيها احتراقًا، فهي إما أن تضيء وإما أن تحرق، فذهب الله بالنور فبقي احتراقهم في قلوبهم لعنة يلقونها إلى يوم القيامة.
قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة:17] انظر! كيف قال: (استوقد) قال أهل العلم: السين هنا هي سين الطلب؛ وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.
يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا} [فاطر:37] أي: في النار، وكلمة يصطرخون أصلها: يصرخون -نعوذ بالله من النار- لكن انظر إلى الجمال وإلى الإبداع والروعة، فقد أراد الله عز وجل أن يذكر صياحهم فقال: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ} [فاطر:37] ولم يقل: (يصرخون) بل قال: (يصطرخون) فزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.
فمعنى (استوقد) طلب الإيقاد، والسين سين الطلب، وقيل: السين زائدة -وليس بصحيح- واستدلوا على ذلك بقول الشاعر:
وداعٍ دعا يا من يجيب إلى الردى فلم يستجبه عند ذاك مجيب
ولكن ليس في القرآن زائد؛ حاشا وكلا، ولو حرفًا واحدًا.
والصحيح كما قال بعض المفسرين: إذا سمعت مفسرًا يقول:"لا"زائدة، فليس هذا بصحيح؛ لأن القرآن ليس فيه شيء زائد مثل: (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) [القيامة:1] قالوا: لا زائدة، وهذا خطأ؛ بل هي: للنفي، والمعنى: لا نرد على كلامهم الأول، بل أقسم بيوم القيامة.