وأوقات الزيارة في الإسلام كلها واردة، إلا ثلاثة أوقات وهي عورات للمسلمين لا يجوز الزيارة فيها إلا لأمر ضروري، حين توضع الثياب من الظهيرة، أي: بعد صلاة الظهر، وقبل صلاة الفجر، وبعد صلاة العشاء، فليعلم هذا عند طلبة العلم، وعند الإخوان والأخيار، والصالحين، وبعد صلاة الظهر وقت قيلولة فلا تأتِ في الساعة الثانية والنصف، وتقول: الأمر بسيط، أريد أن أتحدث معك، وأريد أن نجلس قليلًا في الظهر.
فهذا ليس وقت سمر أيها الأخ الكريم، بل هذا وقت راحة.
ثم يأتيك قبل صلاة الفجر بساعة، ويطرق عليك الباب، ويقول: لا أريد شيئًا يا أخي، فقط أريد أن أشرب القهوة معكم، وأسأل عن أخباركم.
فهذا خطأ.
وكذلك بعد صلاة العشاء، ويتساهل كثير من الناس بعد صلاة العشاء وهو ليس وقت زيارة، وليعلم هذا، فأحسن وقت للزيارة بعد العصر والمغرب، ومن بعد العاشرة في الصباح، لأنك ربما تزوره قبل العاشرة فتجده على الفطور فتفطر معه، فعليك أن تحذر فتأتيه بعد العاشرة.
وقد تأتيه -نسأل الله العافية- وقت الغداء الساعة الثانية فتتغدى معه، فعليك بأوقات الزيارة بعد العصر والمغرب.
ومن الأدب ما ذكره سيد قطب في ظلال القرآن أن إذا أراد المسلم أن يزور المسلم أن يتصل به تلفونيًا، يقول: هذه الوسائل وجدت عند الكفار فاستخدموها في الآداب، ونحن أهل الإسلام أولى بذلك، فلا يأت إنسان بأهله وأطفاله، ثم يقف عند الباب، فقد يكون أهل البيت أمواتًا، أو يكونون في مشكلة، أو ربما كان الرجل يتعارك مع امرأته، وكل إنسان في زاوية يمسح دموعه ودمه، فيطرق عليهم الباب قال: أتينا نزوركم.
أين الاتصال وترتيب الزيارة؟!
فالذي ينبغي -أيها الإخوة الكرام- أن يكون لنا تنسيق في حياتنا، إذا أردت أن تزوره فاتصل به قبل فترة.
وبعض الناس إذا أراد أن يدعو أحدًا وهو يتثاقل من الدعوات، فإنه يفتح كل مجالات الأعذار للإخوان حتى يعتذرون، فهو يقول له: إن لم يكن عندكم ارتباط، أو لن يأتيكم أحد، أو لست مشغولًا، أو لست مريضًا فتعال تغد معي اليوم، فأنت تفتح له باب الأعذار حتى تأتي وهو مرتاح وأنت مرتاح.
فلا بد من هذه الوسائل، ولا يستهان بها، بل هي من أعظم الفقه في الدين، حتى نكون على بصيرة، لأن هذا الدين أخرج الناس من البادية وأعرافها وجفائها إلى أمة حضارية تعرف كيف تتعامل مع الإنسان.
الزيارة غبًا: هل من السنة أن تزور كل يوم؟ عقد البخاري لهذا بابًا في الصحيح، وأتى بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو من حديث أسماء، أنه صلى الله عليه وسلم كان يزور أبا بكر يوميًا، لكنه علم مودة أبي بكر، وصدقه وقرب أبي بكر من قلبه، وأما في الإسلام فإن الزيارة غبًا هي الأسلم، وورد في الحديث: {زر غبًا تزدد حبًا} وهذا الحديث ضعيف، لكن قال بعض الحفاظ: إذا اجتمعت طرقه قامت على سوقها وأصبح حديثًا حسنًا فله أصل.
والغب: أي فترة بعد فترة، فلا تزره اليوم قبل الظهر، وبعد صلاة العصر، فتأتي وتقول: اشتقت لك، ثم في اليوم الثاني تقول: اشتقت لك، فسوف يستقبل صاحب البيت القبلة ويقول: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر، فالزيارة تكون بقصد، مثلما قال أبو تمام:
ليس الحجاب بمخفٍ عنك لي أملًا إن السماء ترجى حين تحتجب
يقول: إذا أبطأ الغيث خرج الناس يستسقون، لكن لو نزل الغيث كل يوم فهو يزري، كانوا يقولون: يا رب! ارفع عنا هذا المطر، يا رب! لا تهدم علينا بهذا المطر بيوتنا وأنت أبصر وأنت أرحم، ولكن إذا تخلف المطر وقحطت الأرض خرجوا للاستسقاء، فالزيارة غبًا واردة ولا تحدد، وحددها بعض الناس، بأن تزور على قدر طاقتك، إلا الأرحام والأقارب الذين تمون عليهم ويمونون عليك فلا بأس، أما أن يكون الإنسان ثقيلًا فلا يطلب هذا.
ومن آداب الزيارة -أيها الأخيار الأبرار النبلاء الفضلاء- أن إذا زرت ألا تنام عنده، كأن تزوره بعد صلاة العصر، فتبقى إلى الواحدة والنصف ليلًا، فيخرج ويرجع وينتهي كلامه، وينظر في النجوم: هل طلع نجم سهيل؟ وهل بدت الثريا؟ هل أذن الفجر؟ ثم يدعو الله عز وجل، ثم يذهب إلى زوجته شاكيًا باكيًا فهذا ليس بوارد، فعلى المسلم أن يكون خفيفًا.
أيها الإخوة: لا ننفركم من زيارة الإخوان والأحباب، لكن هذه موجودة في كتب التربية، ووجدت حتى في التفسير وأشار إليها العلماء المفكرون، ونحن لا بد أن نبحثها مثلما نبحث مسائل الوضوء والصلاة والزكاة والصيام.
قال: وزيارة الأحباب والأقران والزملاء بعضهم لبعض، فهذه مطلقة، فلا تقل: لا أزوره؛ لأنه لم يزرني، بل كن دائمًا أنت فاضلًا بادئًا بالفضل.
وقد زار سلمان أبا الدرداء وزار أبو الدرداء سلمان.
أما سلمان هذا ففقيه، طال عمره، ففقه عقله ونبل، فزار أبا الدرداء، وأبو الدرداء كان قويًا في العبادة صارمًا، يكلف نفسه كثيرًا، فزاره في النهار، فوجده لا يأكل، ورأى امرأته متبذلة، قال: مالك أصبحت عجوزًا في البيت؟ قالت: أبو الدرداء أما النهار فصائم، وأما الليل فقائم.
فأتى سلمان وكان فقيهًا، فقال لـ أبي الدرداء: كل معي، قال: لا آكل أنا صائم، قال: والله لا آكل حتى تأكل، فأكل، فلما أتى الليل نام معه متعمدًا حتى يلقنه درسًا تربويًا عاليًا، فقهًا واقتصادًا في العبادة فقام يصلي بعد العشاء، قال: نم، فنام ساعة، فقام، فأخذه بثوبه، وقال: نم، فلما أصبح قبل الفجر بساعة، قال: الآن قم، فقام، فلما أتى الصباح جلس معه في حوار حار ساخن، وقال: [[يا أبا الدرداء: إن لربك عليك حقًا -هذا الحديث في الصحيحين - ولنفسك عليك حقًا، ولعينك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، ولضيفك عليك حقًا، فأعطِ كل ذي حقٍ حقه] ].
فأخذ أبو الدرداء هذا الكلام، وذهب به يعرضه على المصطفى المعلم الكبير، يعرض المخطوطة على صاحبها، ويعطي القوس باريها، قال: {يا رسول الله! أتى سلمان؛ فنام عندنا، ففعل كيت وكيت، وقال: كذا وكذا، قال: صدق سلمان، صدق سلمان، صدق سلمان، سلمان أفقه منك يا عويمر} فهذا هو الإسلام، وهذه هي الزيارة.
وهل الزيارة على البعد واردة؟ لأنه قد وجد من العلماء من قال: لا تشد الرحال لزيارة الناس، إنما تشد للمساجد الثلاثة، أي: هل لك أن تشد رحلك، وتركب سيارتك، وتحجز في الطيران، وتذهب لتزور أخًا؟ وهل هذا من البدعة أم لا؟
لا.
ليس من البدعة، بل هو من أفضل الأعمال أن تزور أخًا لك في الله، ولو شددت إليه الرحال.
أتيناكم من بَعْدِ بُعْدٍ نزوركم فهل من ضياف وارد وجفان
كما يقول الصاحب بن عباد.
والرسول عليه الصلاة والسلام -كما في سنن أبي داود - زار العباس بن عبد المطلب في البادية، فسلم عليه وعلى أطفاله وصلى عندهم عليه الصلاة والسلام.