الحمد لله الذي كان بعباده خبيرًا بصيرًا، وتبارك الذي جعل في السماء بروجًا، وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا.
والصلاة والسلام على من بعثه ربه هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا؛ بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أمَّا بَعْد:
أيها الناس! فقد أُثر عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أن المار إذا مر بهم في السحر سمع لبيوتهم دويًا كدويِّ النحل من البكاء، ومن قراءة القرآن، والدعاء، هذا في مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ دعاءٌ، وبكاءٌ، ومناجاةٌ وقت السحر، فما هو حالنا مع حالهم، وكيف نعيش بالنسبة إليهم.
إن تلك التلاوة، وذاك الدعاء، وذاك البكاء من خشية الله أبدل في البيوت -إلا في بيت من رحم الله- بالغناء والموسيقى والعود والوتر.
روى ابن أبي حاتم {: أنه صلى الله عليه وسلم كان يمر في ظلام الليل يتفقد أصحابه -كيف كانوا يصلون؟! كيف كانوا يدعون؟! كيف كانوا يبكون؟! - فسمع عجوزًا تقرأ من وراء الباب وتبكي -عجوز مسنة، طاعنة في السنة- تقرأ قوله تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية:1] وهي تبكي، وتعيد الآية، وتقول: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية:1] فوضع رأسه على الباب ويردد معها نعم أتاني، نعم أتاني هذه وهي عجوز، فأين شباب الأمة؟!
أين أهل القوة والعضلات؟!
أين أهل البروز والإجادة؟!
إن القوي هو القوي في طاعة الله، وإن المفلح الناجي هو الناجي المفلح في طاعة الله، وإن المتقدم هو المتقدم في طاعة الله.
إذا علم هذا فإنه صلى الله عليه وسلم في جانب الذكر؛ كان أكثر الناس ذكرًا لله تبارك وتعالى؛ نفسه ذكر لله، وفتواه ذكر، وخطبه ذكر، وكلامه وليله ونهاره وحركاته وسكناته ذكر لله تبارك وتعالى.