أتى أعرابي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، والأعراب لهم دواهي يأتون بها أكبر من الجبال، فدخل الأعرابي بعصاه المسجد، وقال: {يا محمد! إنا نستشفع بالله عليك، ونستشفع بك على الله -واللفظ عند أبي داود وغيره- إنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، فقال صلى الله عليه وسلم: ويحك إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد} .
وقال له رجل آخر: {ما شاء الله وشئت، قال: قل: ما شاء الله وحده} وجاء وفد بني عامر بن صعصعة -والحديث صحيح- فقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: {أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، وأطولنا طولًا، قال: يا أيها الناس! قولوا ببعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان} .
إذًا: فالكمال لله، والعظمة لله، والإنسان له الفقر والعوز، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: {لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله} وأما إطراء المخرفين من الصوفية، ليرفعوه عن منزلته، ويقولون: نحن نحبه، ويقول أحدهم: يا جلاء همومي! يا جلاء غمومي! يا جلاء بصري! يا ذهاب بصري! ويا بقاء سمعي! فهذا ليس بكلام شرعي.
وهذا البرعي شاعر اليمن، وهو شاعر مجيد ظريف في الذروة، ولكنه مخرف متخلف في النهاية، يقول:
يا رسول الله يا ذا الفضل يا بهجة المحشر جاهًا ومقاما
فأقل لي عثرتي يا سيدي في اكتساب الذنب في خمسين عامًا
-من يقيل العثرات؟
-الله.
-من يغفر الذنوب؟
-الله.
-من يكشف الكروب؟
-الله.
وهو صلى الله عليه وسلم ميت في قبره، مات ولكنه حي بحياة الله أعلم بها، حياة برزخية لا تأكل جسمه الأرض، ولكنه لا يرفع الحوائج في قبره إلى الله، ولا يغيث الناس، ولا يشفي المرضى، ولا ينجح الراسبين، ولا يقضي الدين عن المدينين، ولا يقرب بين المتباعدين، وإنما يفعل ذلك الواحد الأحد، والله يقول عن المشركين: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا} [الفرقان:3] .
والبوصيري له قصيدة البردة، وهي من أحسن القصائد إي والله، لكنه كدرها، وأساء في آخرها إساءة بليغة، وإلا فقد بدأها بمطلع عجيب، وأتى بأبيات مليحة جد مليحة، يقول:
أمن تذكر جيرانٍ بذي سلم مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم
أم هبت الريح من تلقاء كاظمة وأومض البرق في الظلماء من إضم
إلى أن يقول:
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركنًا غير منهدم
لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم
وليته استمر على هذا الحسن والإشراق والإبداع! لكنه في الأخير قال:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
سبحان الله! يقول: من جودك الدنيا والآخرة، ومن علمك علم اللوح المحفوظ والقلم.
إن لم تكن في مقامي آخذًا بيدي فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم
وهي إساءة، فلا يغفر الذنوب إلا الله، ولا يكشف الكروب إلا الله.
إذًا: هو عبد يجوع كما يجوع الناس، ويظمأ كما يظمأ الناس، لكن شرفه الله بالنبوة، فلا ينطق عن الهوى فهو معصوم، ولذلك هناك فرق بين أن نقول: عبد وبين أن نظن أنه كبعض الناس يخطئ ويذنب كما يخطئ الناس ويذنبون، فهو معصوم، ثم لا نقول: إنه رسول كذلك ليس فيه بشرية، ولذلك لم يجعل الله الرسول صلى الله عليه وسلم ملكًا، لماذا لم يجعله ملكًا؟ لأنه لو كان ملكًا لما اقتدى به الناس، فلو كان رسولنا ملكًا، وقلت للناس: افعلوا مثلما يفعل الرسول، لقالوا: هو ملك، فإذا قلت لهم: لماذا لا تصومون كما يصوم؟ قالوا: هو ملك، لماذا لا تصدقون كما يصدق؟ قالوا: هو ملك، فجعله الله بشرًا، ومع بشريته إلا أنك تقول لأحدهم: لماذا لا تفعل كذا؟
فيقول: وأين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! نعم أين نحن؟! لكنه قدوتك: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21] .
وأعود إلى قصة الإسرائيلي في أول الكلام، فقال الله عز وجل: {تدخل الجنة برحمتي أو بعملك} قال: بعملي، قال: حاسبوه، فالحساب قبل الدخول: {لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [الكهف:49] فأتى الملائكة فحسبوا النعم التي أعطاه الله، والعبادة التي عبد في كفة الميزان، فوجدوا عبادته في خمسمائة عام لا تعادل نعمة البصر، قال الله: خذوه إلى النار، قال: لا.
برحمتك يا رب.
فالآن عرف، فأدخله عز وجل الجنة برحمته.
إذًا: فلا يدخل الجنة أحدٌ إلا برحمة الواحد الأحد.