فهرس الكتاب

الصفحة 2886 من 10391

ثم قال: أيها الناس! إنني سمعت أن بعضكم يقول: لو مات عمر بايعت فلانًا، وفي صحيح مسلم (وإني قد علمت أن أقوامًا يطعنون في هذا الأمر أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال، وسمعت أنهم يقولون: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وأبو بكر لا يشق له غبار، ولا تضرب أعناق الإبل لمثل أبي بكر، ثم بدأ يسوق القصة، قال: أتدرون ما خبرنا وخبر أبي بكر لما بويع بالخلافة؟ فسكت الناس، قال: لما توفي الرسول عليه الصلاة والسلام اجتمعنا حول مسجده صلى الله عليه وسلم وكثر اللغلط واللهج وارتفع البكاء، فظننت والله أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يموت في ذاك اليوم حتى يدبرنا، قال: فلما تيقنت الخبر، أتانا رجلان صالحان من الأنصار، وقد علما أن الرسول عليه الصلاة والسلام توفي، فقالا لنا -(الأنصاريان) قالا لـ أبي بكر ولـ عمر ولـ أبي عبيدة: أدركوا الأنصار فقد اجتمعوا في سقيفة بني ساعده، يريدون أن يؤمروا أميرًا منهم بالخلافة، وهو سعد بن عبادة، فقلت لـ أبي بكر: اذهب بنا، قال أبو بكر: لا تدخل بنا عليهم، قال عمر: والله لندخلن عليهم وما عسى أن يصنعوا، قال: فدخلنا عليهم جميعًا فلما جلسنا، قال عمر: كنت زورت في صدري كلامًا -أي: خطبة زورها وهيأها وجهزها في صدره- قال: وكنت أرى بعض الحدة -بعض الغضب- في أبي بكر وخشيت منه، وأوقره لمكانته في الإسلام، فأردت أن أتكلم فقال: اسكت، قال: ثم اندفع يتكلم على البديهة، والله ماترك كلمة كنت زورتها في صدري إلا أتى بأحسن منها.

قال الشافعي بسنده: حدثنا الثقة عن الشعبي أنه قال: لما اجتمع أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه بالأنصار، اندفع خطيبًا فأثنى على الله عز وجل وحمده وصلى على الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال: أمَّا بَعْد: فأنتم أحسنتم وكفيتم وآويتم ونصرتم، فجزاكم الله عن الإسلام خير الجزاء، والله يا معشر الأنصار! ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال طفيل الغنوي:

جزى الله عنا جعفرًا حيث أشرفت بنا نعلنا في الشارفين فزلتِ

هم خلطونا بالنفوس وألجئوا إلى غرفات أدفأت وأظلتِ

أبوا أن يملونا ولو أن أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملتِ

ثم قال: يا عمر! ابسط يدك لأبايعك، قلت: والله لا أبايع بالخلافة في قوم أنت منهم، ولأن أقدم فيضرب رأسي في غير محرم أحب إليَّ من أن أتقدم بقوم فيهم أبو بكر، فقال: يا أبا عبيدة! ابسط يدك أبايعك بالخلافة، قال: لا والله، قلنا: ابسط يدك يا أبا بكر! فبسطها فبايعناه فأخذ الأنصار يبايعون معنا، وسعد بن عبادة مريض مزمل في ثبابه، وهو من ساداتهم.

فيقول قائلهم وهو الحباب بن المنذر: أتيتكم برأي، قلنا: وما هو؟ قال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير، فرفضنا هذا الرأي وبايع الأنصار أبا بكر، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة وهو في ثيابه، قال عمر: قتله الله! فلما بايعوا أبا بكر، عاد إلى المسجد، فتكلم عمر قبله، وأثنى على أبا بكر، قال أنس: فرأيت عمر يجذب بكم أبي بكر ويزعجه إزعاجًا إلى أن قام وبايع الناس وهو يبكي ويده ترتعد رضي الله عنه وأرضاه من هول الموقف، وعمر يأخذ بيد أبي بكر وهو يبايع الناس، قال ابن عباس: ثم عاد عمر إلى حديثه في الخطبة قال: وإني رأيت البارحة فيما يرى النائم أن ديكًا ينقرني ثلاث نقرات، فسألت أسماء بنت عميس الخثعمية، فأخبرتني أنني سوف أقتل، فالله المستعان، وسوف أطعن ثم غلبه البكاء، فغلب الناس البكاء، فما هي إلا ليلة فقتل رضي الله عنه وأرضاه في المسجد في صلاة الفجر، فرزقه الله الشهادة وهو في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي بلده، ورفعت روحه إلى الحي القيوم: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر:27 - 30] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت