فهرس الكتاب

الصفحة 7945 من 10391

يقول الله عز وجل عن يعقوب عليه السلام، وهو يتلطف مع يوسف ويأخذه بالرفق واللين: {قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يوسف:5] يقول: يا بني؛ تحبيبًا وتقريبا، وأهل البلاغة يصغرون الاسم المنادى؛ ليكون أوقع في القلوب.

وكذلك لقمان، يربي ابنه التربية التي يرضاها الله ويريدها، ويبدأ معه في المعتقد، ثم في العبادات، ثم في الأخلاق والأدب والسلوك؛ يقول الله عز وجل مستفتحًا القصة من أولها: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} [لقمان:12] فأي حكمة هذه الحكمة؟ وما مدلولها وأثرها؟ {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:12 - 13] هذا هو غرس الإيمان في قلب الطفل، يوم أن ينشأ عابدًا لله عز وجل، يوم أن يسقط الطفل على الأرض وهو يسقط مسلمًا حنيفًا ولم يكن من المشركين، فما من مولود إلا ويولد على الإسلام، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.

ولدتك أمك يابن آدم باكيًا والناس حولك يضحكون سرورا

فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكًا مسرورا

فيوم أن يقع الطفل على الأرض يكون المسئول الأول عنه هو الأب، أن يقوده إلى بر السلام وإلى طريق الجنة، فلقمان عليه السلام يقول لابنه: يا بني! لا تشرك بالله، أي: احذر أن تكون مشركًا أو أن تجعل لله ندًا، واحذر أن تعتقد أن هناك مع الله ضدًا إنه الخطر المحدق يوم توسوس الشيوعية أو الإلحاد أو الوثنية في عقول الأبناء، فمن المسئول عنهم إلا الآباء.

ثم يأتي فيلاطفه مع والديه، وهو الحق الذي جعله الله عز وجل مقرونًا بحقه ومن جعل العقوق في المجتمع إلا بعض الآباء، ومن رضي بالعقوق وأدخله إلا سير بعض الآباء، يوم أن نشئوا بالعقوق مع آبائهم وأمهاتهم، فكان الجزاء من جنس العمل: {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49] .

وبعد أن انتهى من حقوق الوالدين قال له: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ} [لقمان:17] هل سمعت أسلوبًا أعجب من هذا؟! وهل سمعت جودة أعظم من هذه الجودة؟! {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [لقمان:17] ثم قال: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} [لقمان:17] فعلم أنه بعد أن يقيم الصلاة ويفرق طريق المسجد ومن طريق المسجد تلغى طريق الخمارة والمقهى والمعصية، وقرناء السوء والفساد وأهل الجريمة، وما وقع كثير من الشباب في تعاطي المخدرات، وفي الزنا -والعياذ بالله- وفي ضياع الأوقات، وفي استماع الترهات؛ إلا حين انحرفوا عن طريق المسجد.

فيقول لقمان عليه السلام لابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ} [لقمان:17] فإنك إذا أقمت الصلاة حفظك الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ثم قال له: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [لقمان:17] وعلم أنه إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فسوف يكون له أضداد وأنداد وحساد فقال له: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان:17] .

انتهى من العبادة والعقيدة، ثم أتى إلى الأخلاق والأدب والسلوك فقال له: {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان:18] لا تتكبر على عباد الله، لا تزهو، لا تكن تياهًا معجبًا، فأنت عبد للواحد الأحد.

ومما زادني شرفًا وفخرًا وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا

ثم قال له: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان:19] كن أديبًا، كن موجهًا، كن طيبًا، كن متواضعًا سهلًا لينًا وهذا هو الذي يريده الله عز وجل من العبد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت