فهرس الكتاب

الصفحة 4816 من 10391

الوقفة الثانية والعشرون: الاجتماع على الطعام

المسألة الثانية والعشرون: جمع الطعام: من هدي الإسلام في السفر أن يجمع الطعام؛ لأنه كلما كثرت الأيدي بارك الله في الطعام، وهذا عند العرب قبل الإسلام وهو من علامات الكرم، والرسول عليه الصلاة والسلام، يقول: {إن الأشعريين إذا أرملوا جمعوا طعامهم فاجتمعوا عليه -أو كما قال عليه الصلاة والسلام- أولئك مني وأنا منهم} فهؤلاء الأشعريون، وهم قبيلة أبي موسى رضي الله عنه من أهل اليمن، كانت فيهم خصلة جميلة أن إذا أرملوا جمعوا ما عندهم من أزواد وطعام ثم اجتمعوا عليه.

ولذلك يذكر ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم، أن من فعل العجم وعاداتهم أن كل إنسان منهم يأكل وحده، أما العرب فلما جعل الله لهم من فطر سليمة، ومن كرم السجايا فإنهم يجتمعون سويًا، فلم يرد لا من السنة ولا من الأدب أن يكون مزادة كل أحد وصحنه وقدره لوحده، بل هذا من اللؤم، يقول أبو تمام:

وإن أولى الموالي أن تواليهم عند السرور الذي واساك في الحزن

إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في الموطن الخشن

وقد كان عبد الملك بن مروان -الخليفة الأموي- في مجلس سمر، مع أدباء وشعراء وعلماء، فقال: أي العرب أكرم؟ فذكروا رجالًا.

قال: ما وددت أنه ولدني من العرب إلا عروة بن الورد - كان عروة قبل الإسلام- حيث يقول:

أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى بوجهي شحوب الحق والحق جاهد

أوزع جسمي في جسوم كثيرة وأحسوا قراح الماء والماء بارد

فإني امرؤ عافي إنائي شركة وأنت امرؤ عافي إنائك واحد

يقول: أنت سمنت وتضحك مني أنني هزيل؛ لأني إذا نزلت أنزلت الناس على قدري، فأكلوا معي وبقيت كذا، وأنت؛ لأنه لا ينزل على قدرك أحد سمنت.

ولذلك يقول نافع رضي الله عنه وأرضاه، ورضي الله عن ابن عمر [[كان ابن عمر إذا أُحضر له طعامه، قال: ادعوا لي أناسًا يأكلون معي، فيدعون له الفقراء والمساكين] ] ويقول حاتم لامرأته -وليته مات مسلمًا، ولكن قدر الله وما شاء فعل- يقول:

إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلًا فإني لست آكله وحدي

من كرمه يقول: إذا صنعت الزاد وأحضرتيه، فالتمسي ضيفًا يأتي معي.

وذكروا في سيرة إبراهيم عليه السلام أنه كان لا يأكل طعامًا إلا ويدعو ضيوفًا يضيفهم، ولذلك ذكر الله له روغتين في القرآن، روغة كرم، وروغة شجاعة، فروغة الشجاعة: {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} [الصافات:93] وروغة الكرم: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ} [الذاريات:26] .

والبخيل لا يروغ، وإنما يخرج ظاهرًا شاهرًا بسكينته ويتنحنح ويتكلم، ويستخير الله ثلاثة أيام ثم يذبح ذبيحته.

أما إبراهيم عليه السلام فإنه خرج، قال ابن القيم: انظر إلى روغته ما أحسنها! وانظر إلى عجلته، فخير البر عاجله، وانظر إلى ذبيحته ما أعظمها! عجل فيه، ثم جاء به سمين حنيذ، فهو عجل سمين وليس بهزيل، وهو حنيذ وليس بمطبوخ، ثم قربه إليهم ولم يقرب الضيوف إلى الأكل، ولكن قرب الطعام إليهم، إلى غير ذلك من الآداب.

فمن الهدي والسنة في السفر أن يجتمع على الطعام، وهو من كرم السجايا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت