قيل للإمام أحمد من هم الثقلاء؟ قال: الثقلاء هم أهل البدع؛ لأن للناس تصانيف في الثقلاء من الجلساء، فيقولون: كان الأعمش إذا رأى رجلًا من الثقلاء أعرض -وهو عالم محدث- وقال: {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} [الدخان:12] .
ويقول من ضمن مزحه: إذا صليت بجانب ثقيل على ميسرتك فسلم تسليمة تجزئك، وقال الشافعي: ما وفد إلي ثقيل فجلس في مجلسي إلا ظننت أن الأرض تميل في جهته، وقال ابن القيم في مدارج السالكين وهو يتحدث عن الثقلاء: ورأيت رجلًا جلس بجانب ابن تيمية من الثقلاء -أي أهل المعاصي- فرأيت ابن تيمية يتحامل ويتصبر ولكن انتهى الصبر، فالتفت ابن تيمية إلى ابن القيم وقال: الجلوس مع هؤلاء حمى الرِبْع، حمى الرِبع: حمى تهامة، تقتل الإنسان وتفرفره وتجعله عظامًا تستطر، والثقلاء هم المعرضون عن منهج الله، ومن أعظم عقبات الدعوة التي تحول بين الداعية وبين الناس جلساء السوء.
أرى ألف بانٍ لم يقوموا لهادمٍ فكيف ببانٍ خلفه ألف هادمِ
متى يبلغ البنيان يومًا تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
حتى يقول بعض الأساتذة والعلماء قبل أن تأخذ الطوبة يأخذها الهدامون من يدك، فلا يدعونك تبني شيئًا؛ لأن ما يبنى في شهر يهدم في ساعة، فكيف تقدم موعظة أو درسًا أو نصيحة، ووراءك آلاف الأغنيات والمسرحيات والمسلسلات والمعاصي والفواحش والمغريات والنزوات والجهالات؟! فكيف يُبْنَى الإيمان في القلب؟! قال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف:67] وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي} .
يقول أحد العرب: نزل فلان عند فلان، أي أضاف فلان فلانًا، قال: تعارفوا فتشابهوا فسكت بعضهم عن بعض، ثم قال:
وفي السماء طيور إسمها البجعُ إن الطيور على أشباهها تقع
لا يقع الفاجر إلا على فاجر، ولا يحب الفاسق إلا فاسقًا، ولا يحب المجرمين إلا مجرمٌ، بينما الأتقياء يحبهم الأتقياء، يقول ابن المبارك بسند صحيح وبكلمة نثرية: أحب الصالحين ولست منهم؛ وأكره الفساق وأنا شر منهم.
كما أوردها أهل الترجمة، نظمها مثل الشافعي فقال:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواءً في البضاعة
وفي القرآن في موضعين من القرآن أخبر الله أن لأهل الجاهلية جلساء، وأنهم هم السبب في إعراض هؤلاء الجلساء عن منهج الله، قال سبحانه: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة:114 - 116] فأخبر الله في الآية أن لهم جلساء يجلسون معهم إذا خرجوا من عند المؤمنين، ولذلك إذا دعوت رجلًا ولم يتأثر بقولك منك ورأيته دائمًا في المعاصي؛ فاعرف أن له قرينًا وشيطانًا من شياطين الإنس يجلس معه ويخلو به، وهذا الذي يدمر عليك دعوتك؛ لأنك تبني في الصباح وهم يهدمون في المساء.
وقال سبحانه في الجليس في موضع آخر: {وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [البقرة:76] فأخبر سبحانه أن لهم بعضًا وأن لهم جزءًا.
ولذلك قال سبحانه: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} [التوبة:67] فهم أجزاء مترابطة، يجلس الواحد منهم معك ولكن وراءه عشرات يصدونه ويأخذونه، ويسحبونه.
ابن المبارك المحدث الكبير أحبه وأنتم تحبونه، قال الذهبي في سيرته لما ترجم له في تذكرة الحفاظ: والله الذي لا إله إلا هو إني أحبه وأسأل الله الخير بحبه، ولم لا وهو مجاهد وزاهد، وعابد، وعالم ومنفق وقائم ليل، وخاشع لله عز وجل، وهو شاعر جميل الشعر، نحب شعره؛ لأنه يصدر من القلب، يقول في بيتين يخبرك بالجليس يقول:
من كان ملتمسًا جليسًا صالحًا فليأت حلقة مسعر بن كدام
فيها السكينة والوقار وأهلها أهل الصلاح وعليهُ الأقوام
يقول: إذا أردت جليسًا صالحًا فتعال إلى المسجد في البصرة وابحث عن مسعر بن كدام، مسعر بن كدام راوية الصحيحين بكى حتى ذهبت عينه اليمنى من خشية الله، يقولون: ما نظر أربعين سنة إلى السماء ممايطأطئ رأسه من الخوف، قالوا: ما نراك تضحك؟ قال: أضحك وأنا ما مررت على الصراط وما أدري هل يؤمر بي إلى سقر أم إلى الجنة، كيف أضحك؟!!
كان يجلس في اليوم ويتوضأ ويستقبل القبلة عليه ثياب بيض ويفوح الطيب من فمه ومن ثيابه، فإذا استقبل القبلة، رؤى كأن الملائكة حوله، ثم يبدأ يحدث ودموعه تتسابق مع الحديث، فيقول ابن المبارك لتلاميذه، يدعوهم إلى جلسة روحية تصلهم بالجنة، يقول:
من كان ملتمسًا جليسًا صالحًا فليأت حلقة مسعر بن كدام
يقول اسألوا عنه وادخلوا المسجد واجلسوا معه؛ ليقول لكم الله في آخر الجلسة: قوموا مغفورًا لكم، قد رضيت عنكم وأرضيتموني.
وعمرو بن عبيد كان زاهدًا مقطع الثياب لكن مبتدع، ونحن لانقبل الزاهد حتى يكون على السنة، ولا نقبل الباكي وقائم الليل، حتى يكون على السنة، ولا نقبل صائم النهار، حتى يكون على السنة، ولا نقبل المجاهد حتى يكون على السنة، ولا نقبل الداعية حتى يكون على السنة، كان عمرو بن عبيد شيء عجيب في الزهد والخشية من الله، لكنه مبتدع، يقول بالقدر، دخل على الخليفة أبي جعفر المنصور فرآه الخليفة فقال للعلماء:
كلكم يطلب صيد
كلكم يمشي رويد
غير عمرو بن عبيد
يقول كلكم فيكم شيء إلا عمرو بن عبيد فهو يطلب وجه الله.
قال الذهبي: أثنى على ظاهره وما عرف بدعته، واكتشفها الذهبي والعلماء، يقول فيه ابن المبارك:
أيها الطالب علمًا إيت حماد بن زيد
فاستفد فهمًا وعلمًا ثم قيده بقيد
ودع البدعة من آثار عمرو بن عبيد
وحماد بن زيد من أقران مالك، ومن رجال البخاري فجلساء السوء هم الجرب، وهم أعداء الأنبياء والرسل، وهم الذين أخذوا شبابنا وصدوا بفتياننا عن منهج الله.
وهم قسمين:
قسم منهم كفر بالله العظيم أو فجر وترك الصلاة وأعرض تمامًا.
وقسم يصلي ولكنه منغمس في المباحات وفي الترهات والسفاهات ولا يحرص على الوقت، ولا يطلب العلم، ولا يحضر مجالس الخير، ولا يستفيد من عمره، فهو لاهٍ لاغٍ مشغول سقط من أعين الصالحين، قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: [[إني لأرى الرجل ليس في شيء من أمور الدنيا ولا في شيء من أمور الدين فيسقط من عيني] ].
يسقط من عينيه إذا رآه ساهيًا لاهيًا، تجد بعض الشباب يقيسون مساحات الأرض ذاهبين آيبين في السكك والشوارع، لا في كسب ولا في عبادة، ولا في دعوة، ولا في خدمة إسلامية، ولا سعي على أهل، وهؤلاء ممن ينصحون قبل أن يُجْتنبوا.