وكان من أفضل الناس قولًا في الأدب الإمام الشافعي، ولذلك سجل له الإمام الذهبي أكثر من عشر نقاط تكلمًا على الأدب، يقول: والله الذي لا إله إلا هو لو أنقص الماء البارد من مروءتي ما شربته -لو كان الماء البارد ينقص من المروءة ما شربته-.
وكان من أدبه أنه ما بصق عن يمينه ولا عن يساره أبدًا، فكان يخفي بصاقه، قال: وما مد رجله مع الجليس من أدبه أبدًا، قال: وما قاطع أحدًا في كلامه حتى ينتهي.
وهذا أدب الكتاب والسنة، وإنما تعلموا الأدب من المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي نحن بحاجته أحوج إلينا من كثير من العلم.
يقول أحد أهل العلم: ينبغي أن يكون أدبك كالدقيق وعلمك كالملح، قال بعض المتأخرين: فما أصبح عندنا لا دقيق ولا ملح.
وقال عامر الشعبي: لا يطلب العلم إلا رجلان عاقلٌ وناسك، فإن طلبه عاقل بلا نسك -بلا دين- قالوا: هذا أمرٌ لا يتحصل عليه أبدًا، وإن طلبه ناسكٌ بلا عقل، قالوا: هذا أحمق لا يحصل على شيء أبدًا، وإنما يطلب الفهم العاقل والأديب الذي يتقي الله عز وجل، ورأس الحكمة مخافة الله، ومن لا يخاف من الله فلا أدب له أبدًا.
ولذلك أخطأ كثيرٌ من أهل الأدب، كـ ابن عبد ربه وابن قتيبة في عيون الأخبار وفي العقد الفريد، يوم ذكروا أدب كسرى، وقالوا في وصف بعض الأئمة: كأن هذا الإمام أدَّبه كسرى، سبحان الله! أكسرى أصبح مؤدبًا؟! أصبح الدجال مؤدبًا ومسيرًا للأمة ومعلمًا وفقيهًا؟! لا والله، لكنه أدبه محمد عليه الصلاة والسلام، فهذه مسألة الأدب.
وممن نقل عنه الأدب معاذ رضي الله عنه وأرضاه، ذكروا عن أدبه الجم الكثير.
فقد كان من حيائه لا يعمد بصره لجليسه حياءً وأدبًا وتقوى ورعاية للجليس، وهذا نحن بحاجة إليه جد الحاجة، وأحوج ما نكون إليه أن نربي أطفالنا على الأدب الذي أتى به محمدٌ عليه الصلاة والسلام، وهناك ما يقارب مائة حديث في الأدب، سوف يسوق منها البخاري ما لذ وطاب، من الثمر المستطاب، في كل فن في الطعام، والشراب، والمنام، والإياب، والذهاب، كأنها أخذت من أم الكتاب، فجزاه الله خيرًا وأسبل على قبره شآبيب السحاب.