أما ريح الجنة ففيها قال عليه الصلاة والسلام -وهذا عند البخاري في الصحيح-: {من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا} أي: من عاهد معاهدًا من أهل الكتاب وأعطاه ذمة الله وعهده، ثم قتله، فحرامٌ عليه أن يرح رائحة الجنة، ورائحتها توجد من مسافة أربعين عامًا.
قال ابن القيم: ورد في النصوص ألفاظ، منها أربعين عامًا، وخمسمائة عام، وغيرها من الأعوام فإما أن يكون ذلك على قدر العمل، أي: أن من أتى بعملٍ عظيمٍ شنيع أبعده الله أبعد من أربعين عامًا، ومن أتى بعملٍ أخف فأربعين عامًا، وقيل: على طرف الجنة وعلى وسطها، فمن طرفها يمكن أن يكون أربعين، ومن وسطها خمسمائة أو مائة عام أو مائتان في الأحاديث، وهذا جمع جيد لا شلت يده وصحت، وجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء.
{من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا} كان أنس بن النضر يستنشق يوم أحد، قالوا: مالك؟ قال: أجد ريح الجنة من دون أحد وقتل، ضرب ثمانين ضربة فلم تعرفه إلا أخته ببنانه، لكن ما أحسن هذا الضرب! وما أحسن هذا القتل! والذي لا يموت صادقًا مع الله يموت كما تموت الدواب والبهائم.
وصح أن عبد الله بن عمرو الأنصاري سأل الله رضوانه، ولبس أكفانه قبل المعركة واغتسل وتحنط وتطيب، ثم أتى المعركة فأخذ غمد السيف وكسره على ركبته فقتل، فأتى ابنه جابر يبكي فيقول صلى الله عليه وسلم: {ابك أو لا تبكِ، والذي نفسي بيده ما زالت الملائكة تظل أباك بأجنحتها حتى رفعتموه، والذي نفسي بيده لقد كلَّم الله أباك كفاحًا بلا ترجمان، فقال: تمن، قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، قال: إني كتبتُ على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمن، قال: أتمنى أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك، قال: فإني قد أحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبدًا} فجعل الله روحه وروح إخوانه في حواصل طير خضر ترد الجنة، فتأكل من أثمارها، وتشرب من أنهارها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
{وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران:169 - 170] .