قال علي رضي الله عنه، كما في جامع بيان العلم وفضله لـ ابن عبد البر: كفى بالعلم شرفًا أن يدعيه من ليس من أهله، وأن يتخلى عن الجهل من هو فيه.
والمعنى: يكفي بطلبة العلم شرفًا أن العلم يدعيه بعض الناس وهو جاهل، فإن الجاهل الذي لا يحسن الوضوء ولا الغسل من الجنابة، ولا يحسن قراءة الفاتحة إذا قلت له: ما شاء الله على علمك ونور بصيرتك وفقهك ترنح في مجلسه، وارتاح لهذه الكلمة وهو جاهل، وإذا قلت له -وهو جاهل أبكم أصم أعمى لا يعرف شيئًا- إذا قلت: يا جاهل! غضب، وربما قال: أنت الجاهل وأبوك وجدك؛ فهذا معنى كلام علي رضي الله عنه.
قال ابن عبد البر: أحسن كلمة توارثها الناس بعد كلام النبوة، قول علي رضي الله عنه وأرضاه: [[قيمة كل امرئ ما يحسنه] ] هذه درة، فقيمتك في الحياة الذي تحسنه، وميزانك في الحياة الذي تجيده، يقول أبو إسحاق الألبيري يوصي ابنه بطلب العلم في قصيدة رنانة تفضي إلى القلوب مباشرة بلا وسيلة:
أبا بكر دعوتك لو أجبتا إلى ما فيه حظك لو عقلتا
إلى علم تكون به إمامًا مطاعًا إن نهيت وإن أمرتا
ويجلو ما بعينك من عماها ويهديك السبيل إذا ضللتا
هو العضب المهند ليس ينبو تصيب به مضارب من أردتا
وكنز لا تخاف عليه لصًا خفيف الحمل يوجد حيث كنتا
يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفًا شددتا
فبادره وخذ بالجد فيه فإن أعطاكه الله انتفعتا
وإن أوتيت فيه طويل باع وقال الناس إنك قد رأستا
فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملتا
إذا ألقاك فهمك في مغاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمتا
أي: إذا ألقاك علمك في المعصية والبدعة والشرك والتفلت على أوامر الله، والاعتداء على حدوده، فليتك ثم ليتك ما فهمت، وإذا تخلفت عن صلاة الجماعة وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتدبر، والتوجه إلى الله، فليتك ثم ليتك ما فهمت.
وإذا عطلت لا إله إلا الله في قلبك وفي بيتك وفي مجتمعك، وفي أسرتك، فليتك ثم ليتك ما فهمت.