أصل الحديث في صحيح البخاري وله قصة، وذلك أن الأحنف بن قيس ذهب لينصر علي بن أبي طالب في معركة الجمل، معركة الجمل وقيل معركة صفين، فكان للأحنف كلام مع أبي بكرة، الأحنف بن قيس، هو حليم العرب سيد بني تميم، ذهب لينصر علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه في الجمل، فلقيه أبو بكرة قال: أين تذهب؟
قال أذهب مع عائشة في الجمل، قال: عد فإني سمعت الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة} فعاد، فلما أتت صفين بين علي ومعاوية، ذهب فلقيه أبو بكرة مرة ثانية قال: أين تذهب؟
قال: أنصر ابن أبي طالب ابن عم الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: عد فإني سمعت الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، الحديث} والأحنف بن قيس هو سيد بني تميم وحليم بني تميم، كان أشل -والأشل الذي رجله أو يده متعطلة عند العرب- وكان أحنى محدودبًا، نحيفًا هزيلًا، في منظره كراهة وبشاعة، ولكنه ملئ عقلًا وإيمانًا، وقلبًا سديدًا، وكان من أفصح الناس وأدهى الناس وأحلم الناس.
ما كان يغضب، أتى سفيه من الناس قال له بعض بني تميم: ما رأيك نعطيك مالًا كثيرًا وتذهب وتضرب الأحنف بن قيس على وجهه؟
هذه في الأدب، يريدون أن يمتحنوا الأحنف بن قيس، ما كان يغضب كالبحر صدره، وكنيته أبو بحر، فأعطوا هذا السفيه كثيرًا من المال وذهب فاقترب من الأحنف ثم ضربه على وجهه، قال الأحنف: كم أعطاك بنو تميم مالًا؟
قال أعطوني كذا وكذا، قال: تضرب من؟
قال: يقولون: اضرب سيد بني تميم، قال وهل أنا سيد بني تميم؟ قال: يقولون ذلك، قال الأحنف بن قيس: هو ذاك، عن رجل هو جارية بن قدامة من أغلظ الناس وأشرس الناس وأفتك الناس، فذهب إليه فاقترب من جارية هذا فلطمه على وجهه، فقام جارية فضرب الرجل حتى أغمي عليه واستفاق بعد ساعة يقول: أصبحنا وأصبح الملك لله، هذا الأحنف بن قيس قيل له: ممن أخذت الحلم؟ أي: من علمك الحلم؟ من هو شيخك في الحلم؟ قال: علمني الحلم قيس بن عاصم المنقري، وهذا سيد بني تميم قبل الأحنف، وهو من السبعة الذين وفدوا على الرسول عليه الصلاة والسلام، وهناك حديث عنه أنه قال: يا رسول الله! أوصني، رق عظمي ودنا أجلي فأوصني، قال: {يا قيس! إن لكل حسنة ثوابًا ولكل سيئة عقابًا، يا قيس! إن مع القوة ضعفًا، وإن مع المال قلة -أو مع الكثرة قلة- وإن بعد الحياة موتًا، يا قيس! إن معك رفيقًا يدفن معك وهو حي وتدفن معه وأنت ميت، هو عملك} فبكى قيس بن عاصم، وهو الذي يقول فيه الشاعر:-
عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من ألبسته منك نعمةً إذا زار عن شحط بلادك سلما
وما كان قيس موته موت واحد ولكنه بنيان قوم تهدما
لما مات عبد الملك بن مروان، شيعه أبناؤه الأربعة الوليد وسليمان ويزيد وهشام، فلما وصلوا المقبرة دفنوه فقال هشام بن عبد الملك:-
وما كان قيس موته موت واحدٍ ولكنه بنيان قوم تهدما
وولي العهد الوليد غضب من هذه الكلمة، لأن معناه: مات عبد الملك وعلى الدنيا السلام، وما أصبح وراءه رجال.
وما كان قيس موته موت واحد ولكنه بنيان قوم تهدما
فنظر إليه الوليد فقال: كذبت لعنك الله! لأنه عرض به، وهذا من التكالب على الدنيا، وعلى حطام الدنيا.