الأمر التاسع من أسباب انتصاره: استغلال المواهب، وتوجيه القدرات، والاستفادة من العقول التي استنارت بنور الوحي، معنى ذلك أن يوضع الرجل المناسب في المكان المناسب قال: أبو الطيب المتنبي:
فوضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى
عمرو في منزلة عمرو، وزيد في مكانة زيد، فعلها عليه الصلاة والسلام أتى إلى الخامات من أصحابه، فعرف قدراتهم واستعداداتهم فوجههم الوجهة الصحيحة التي ينتج فيها أصحابها، أتى إلى أبي بكر فإذا أبو بكر رجل ريادة وسيادة وإدارة وسياسة، فجعله خليفة من بعده، وأتى إلى عمر فإذا هو داهية عملاق قوي، فأوكل إليه مهمة تدوين الدواوين وتجنيد الجنود وتجييش الجيوش.
ومعاذ: {أعلمكم بالحلال والحرام معاذ} وخالد، خالد مهمته تقطيع رءوس الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، لأن استعداد خالد أن يكون مجاهدًا وهذه ثغرات المسلمين.
إن الرجل المناسب الذي يصلح الله به الحال يجب أن يكون مناسبًا في حاله وفي مقامه، فالخطيب خطيبًا، والمهندس مهندسًا، والطبيب طبيبًا، والمجاهد مجاهدًا، ولا نقول للطبيب: كن واعظًا، ولا للواعظ: كن مهندسًا، ولا للمفتي: كن طبيبًا، لا.
لأن تداخل التخصصات معناه انثلام في صرح الرسالة الخالدة التي أتى بها صلى الله عليه وسلم.
يقول صلى الله عليه وسلم يمدح خالدًا -أيمدحه بكثرة الحفظ؟ إن خالدًا فيما يذكر عنه لم يكن يحفظ كل القرآن أيمدحه بحفظ الحديث؟ لم يكن يحفظ الحديث، أيمدحه بالفتيا؟ لم يكن عنده الفتيا، يقول: {خالد سيف سله الله على المشركين} .
ثابت بن قيس بن شماس، خطيب يدخل الجنة بالخطابة، وحسان أديب يدخل الجنة بالأدب، وبلال مؤذن يدخل الجنة بالأذان.
فعلى رواد الصحوة وأبطال العقيدة أن يصنفوا الشباب كل فيما يخصه، وكل رجل في المكان الذي يناسبه، ليفعل مثلما فعل عليه الصلاة والسلام.