فهرس الكتاب

الصفحة 9113 من 10391

وأما كرم الشيخ فحدث ولا حرج، وأنا لا أقول هذا من دافع العصبية والعاطفة، لكني أقول: لا أعرف في هذا العصر أكرم منه، وقد سماه بعض محبيه حاتم الطائي في هذا العصر، وهو لا يمسك قليلًا ولا كثيرًا، وربما مرت عليه بعض الأشهر وقد استدان على راتبه لكثرة ما ينفق ويعطي.

هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله

ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله

وكرمه يتمثل في أمور:

أولًا: عطاؤه المستمر للفقراء والمحتاجين والمساكين فهو لا يرد طالبًا، وقد حدثنا بعض طلبة العلم الثقات: أن أحد المجاهدين وفد على الشيخ مرة من المرات، وما وجد الشيخ إلا غرضًا مهمًا له فباعه وأعطاه قيمته في سبيل الله عز وجل.

ثانيًا: أنه ما يدنو وحده على طعام، ولا يعرف أن يكون وحيدًا، وإنما إذا حضر طعامه أحضر الناس على طعامه دائمًا، وسفرته طويلة، ويحضر طلبة العلم والمفكرون والأدباء والعامة والفقراء والمساكين والمسئولون، فيحيي الجميع ويرحب بهم، وهذا أمر معلوم لا يحتاج أن أثبته لكم، لأن كثيرًا منكم رأى ذلك.

يقول حاتم الطائي لامرأته:

إذا ما صنعتي الزاد فالتمسي له أكيلًا فإني لست آكله وحدي

أخا سفرٍ أو جار بيتٍ فإنني أخاف مذمات الحوادث من بعدي

وحاتم الطائي من حائل، وقد مات جاهليًا وثنيا، يقول لأمرته: إذا صنعت الطعام وأحضرتيه، فلن أتقدم ولن أغسل يدي ولن آكل حتى تأتي بفقير يأكل معي.

وقالوا: كان إبراهيم عليه السلام من أكرم الناس، فإذا قدموا له الطعام قال لخدمه ومواليه: من أتى منكم بضيف فهو حر لوجه الله، فكيف سيكون حرص المولى أن يأتي بضيف ليتحرر؟! وقد ذكر الله كرم إبراهيم عليه السلام، فقال: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ} [الذاريات:26] راغ من الكرم سريعًا، وأتى بعجل سمين، أي: تبيع وهو ولد البقرة، فذبحه، وسمين أي: أنه اختار الأجود، ولم يأخذ نحيفًا لا يساوي ثلاثين ريالًا.

وقال في سورة هود: (حنيذ) فلم يطبخه طبخًا، بل حنَّذه وقدمه مشويًا، وهذا غاية الكرم، (فقربه إليهم) ولم يقل: قربهم إليه، وقال: (ألا تأكلون) وهذه شيمة الكريم الرحيم القريب المستأنس بالناس.

يقول عروة بن ورد وهو شاعر جاهلي:

أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى بوجهي شحوب الحق والحق جاهد

أوزع جسمي في جسوم كثيرةٍ وأحسو قراح الماء والماء بارد

ويقول عبد الملك بن مروان لوزرائه: من تريدون أن أباكم؟ أي: هل منكم من يريد أن أباه غير أبيه؟ قال كلٌ: لا.

ما أريد إلا أبي.

قال: أما أنا فأريد أن أبي عروة بن الورد، لأنه يقول:

أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى بوجهي شحوب الحق والحق جاهد

معنى البيتين: كيف تضحك مني لأني نحيل وأنت سمين؟ وما ذاك إلا لأني أوزع جسمي وطعامي، فغدائي وعشائي في بطون المساكين والفقراء، وأنت تأكل وحدك وتغلق الباب، وتقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.

وهذه شيمة البخلاء؛ أنهم يوصدون أبوابهم ويغلقون النوافذ ويكتمون البوابات حتى لا يخرج الدخان، ويكتمون قدر الضغط حتى لا يوصوص على المارة فيقول:

أوزع جسمي في جسوم كثيرةٍ وأحسو قراح الماء والماء بارد

يقول: أشرب الماء والضيوف يأكلون الطعام.

وبهذه الخلائق الرضية استجيب للشيخ في دعوته للآخرين، وأثر أثرًا عظيمًا، وأصبح تلاميذه مئات، وأصبح له الأثر لا في الرياض وحدها، ولا في المملكة بذاتها، ولا في العالم العربي، ولكن في العالم كل العالم، وأصبح الناس كلمةً موحدةً وإجماعًا، أو شبه إجماع على حبه وعلى أنه من البقية الباقية من علماء السلف الصالح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت