ويقع الإسراف -يا أيها الإخوة- في النوم، فبعضهم يصوم وهو في الحلم، هل تدري كيف يعمل؟
بعض الشباب سل بهم خبيراًَ: يصلي الفجر ثم ينام إلى الظهر، ثم يواصل النوم على بركة من الله إلى صلاة العصر، ثم ينام من العصر إلى الغروب، فتوقظه أمه ليفطر فما أحس جوعًا ولا ظمأ ولا عاش عبادة ولا قرآنًا ولا نوافل ولا تسبيحًا، يأكل التمر متناولًا كأنه أتى من القرون التي قبل الإسلام، لا حلاوةً، ولا رقةً، ولا شعورًا، ولا خلودًا، ولا طعمًا لأسرار الصيام.
إن أسرار الصيام معناها: أن تشعر بالجوع؛ لأن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183] وأنا لا أقول: لا تنام؛ لكن لماذا يُعْكس البرنامج في النهار، فيصبح نومًا كله والليل سهرًا، ونعود إلى عمر الخيام -عليه من الله ما يستحقه- حيث يقول:
فما أطال النوم عمرًا وما قصر في الأعمار طول السهر
وهذا البيت يُنْشَد، وكثير من الشباب على الرصيف يصفقون لهذا البيت، وما يعلمون أن هذا البيت فيه كفر، وما قاله إلا زنديق، يقول: نم أو قم في الليل فإنه ليس وراءك إلا نوم في القبر لا بعث بعده -عليه من الله ما يستحقه- ولذلك يقول بعضهم الآن في بعض الصحافة: انتقل إلى مثواه الأخير، وليس المثوى الأخير هو القبر -كما يقول القنوي وهو ممن اتهم بالزندقة وبالتصوف- إنما المثوى الأخير: إما إلى جنة وإما إلى نار: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى:7] وقال تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام:62] .
يقول الغزالي:"من عمره ستون سنة ينام منها عشرين سنة، والتفصيل في ذلك أنك تنام في الأربع والعشرين الساعة ثمان ساعات، فإذا نمت ثمان ساعات في كل أربع وعشرين ساعة فقد نمت في الستين سنة عشرين سنة، ثم صفي من غيرها للأكل وللشرب ولدورات المياه والاغتسال، فبعضهم إذا دخل دورة المياه مكث فيها ساعتين، وبعضهم إذا اغتسل يأخذ في الغسل ساعة ونصف؛ لأن الحياة معقدة، وإذا أكثر الجسم من الترفيه تعقدت الروح، تعقيد في اللباس وتعقيد في الغسل وتعقيد في الطعام؛ وهذه هي المضرة بعينها:"
يا كثير الرقاد أكثرت نومًا إن بعد الحياة نومًا طويلًا
وبعد النوم يقظة إلى حساب ومعاد، ثم إلى جنة أو نار، وهذه هي وقت الصيحة التي يصيح بها الملك يوم يجمع الله الأولين والآخرين.